فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قال في التفسير الكبير: السبب فيه كأنه يقول: خلقتك أولًا، فأنا إله. ثم ربيتك بوجوه النعم، فأنا رب. ثم عصيتَ فسترتُ عليكَ، فأنا رحمن. ثم تُبتَ فغفرت لك، فأنا رحيم. ثم لابد من إيصال الجزاء إليكَ، فأنا مالك يوم الدين.
وقال تعالى:"الرحمن الرحيم"ثم قال:"مالك يوم الدين". فما فائدة التعقيب هنا؟
قال العلماء: لمّا بيّن الرحمة المُضاعفة، فكأنه قال: لا تغتروا بذلك، فإني مالك يوم الدين، فهذا جمع بين الترغيب والترهيب، وقدم (الرحمن) على (مالك) ؛ لأن الرحمة سبقت في علم الله غضبه وعقوبته. & shy;
الحلقة التاسعة:
يقول المولى سبحانه وتعالى:"إياك نعبد وإياك نستعين".
هذه الآية هي الآية الرابعة من سورة الفاتحة سبقتها ثلاث آيات، وستتلوها ثلاث آيات أو اثنتان، وقد جعل الله تعالى الفاتحة نصفين، وجعل هذه الآية نصفين. فالآيات الثلاث الأول كلها ثناء على المولى سبحانه وتمجيد، والآيات الثلاث الأخيرة كلها دعاء من العبد إلى ربه ومولاه.
وأما هذه الآية فهي نصفان نصفها للرب، ونصفها للعبد، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين. قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل.
"إياك نعبد"أي لك يا ربنا نُصلي ونسجد ونحفد ولا نعبد سواك ولا نتوجه إلى غيرك. معناها: نُخلص العبادة لك ونُخلص التوحيد لك، ولا نُشرك معك غيرك، معناها: أنت المُستحق للعبادة وحدك.
و"إياك نستعين"أي نستمد العون منك في جميع الأمور ولا نستعين بأحد سواك، ولا نطلب العون إلا منك. معناها: نُعلن لك عجزنا وضعفنا، ونُعلن براءتنا من كل حول ومن كل قوة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
هذه الآية دلتنا على أساس ديننا، دلتنا على لب شريعتنا، ودلتنا على سر وجودنا.
هذه الآية بمثابة قولنا: لا إله إلا الله، هي توازي كلمة التوحيد في المعنى، تتضمن إثبات العبادة لله وحده، وتتضمن نفي العبادة عما سواه سبحانه، وهذا المعنى هو أساس الدين وسر الوجود، وهذا المعنى هو الغاية التي أُنزل القرآن لأجلها.
ولهذا جاء عن بعض السلف تعظيم هذه الآية، روي عن بعضهم: أن معاني القرآن الكريم تعود إلى هذه الآية. وقال بعضهم:"إياك نعبد وإياك نستعين"سر القرآن.
هذه الآية الكريمة مع قصر ألفاظها قد حوت المعاني العظيمة، وقد حوت البلاغة العجيبة، عجائب هذه الآية لا تقضى.
نذكر منها ما يتسع له المقام:
هذه الآية جاءت بصيغة موجزة، ولكن بأسلوب بليغ جدًا، ومن بلاغتها أنها تدل على حصر العبادة في عبادة الله، وعلى اختصاص التوحيد به سبحانه ونفي الشريك عنه.
قال تعالى:"إياك نعبد وإياك نستعين"تقديم"إياك"هنا يفيد الحصر، ويفيد الاختصاص، قالوا: لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، و"إياك"هنا مفعول به وحقه التأخير، وعامله"نعب"و"نستعين". قال ابن القيم - رحمه الله: فهو في قوة: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.
من فوائد تقديم"إياك"كذلك: العناية والاهتمام، فإن شأن العرب أن تقدم الأهم، قالوا: ولئلا يتقدم ذكر العبد على ذكر الرب سبحانه.
وقال سبحنه:"إياك نعبد وإياك نستعين"ولم يقل: أعبد وأستعين، لماذا؟ يعني ما الفائدة من نون الجمع هنا؟
هذا التعبير القرآني فيه فوائد، وفيه دلالات عظيمة، وفيه إشارات لطيفة.
فيه تنبيه العابد على صلاة الجماعة فيقال له: احضر إلى بيت الله وصلي مع المسلمين. كيف؟ لأنه يقول: نعبد ويقول نستعين. في صلاته، وهذا اللفظ يدل على الجماعة، فلزم منه أن يكون المُصلي في الجماعة، ليكون أصدق وأدق في التعبير.
من فوائد (نون الجمع) تعلم العبد حُسن السؤال من الله، وتعليمه أدب الخطاب بين يدي مولاه، قال بعض المفسرين: كأن العبد يقول: إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث تُستحق أن أذكرها وحدها؛ لأنها ممزوجة بالذنوب والتقصير، ولكن أخلطها بعبادات جميع العابدين، وأذكر الكل بعبارة واحدة، وأقول:"إياك نعبد"قالوا: وهذا أدعى للقبول.
وقد فرع الفقهاء مسألة: وهي أن الرجل إذا باع من غيره عشرة عبيد فإن المُشتري إما أن يقبل الكل أو لا يقبل واحدًا منها، وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة بتلك الصفة. بل جاء في الحديث: هم القوم لا يشقى جليسهم.
(يُتْبَعُ)