فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51075 من 53113

وكان منذ سلوكه طريق العلم قد وقَفَ أنفاسَه على خدمة كتاب الله، وليس أدلَّ على ذلك من رسالته للدكتوراه التي حصل عليها في موضوع"القراءات الشاذة في القرآن الكريم"حتى وصل إلى درجة الأستاذية، عن جدارة واحتراف، ويُعَدُّ راحلنا المفدَّى، ووالدُنا الكبيرُ من أشهر الدعاة والمفكرين بمصر والعالم الإسلامى، وكانت خطبته الأسبوعية الشهيرة التي كنا نستمع إليها بكُلَنا وبكامل ذواتنا- بمسجد عمرو ابن العاص أكبر وأقدم مساجد مصر- كانت خير زادٍ لنا على خوض طريق الحياة عن بصيرة وفهم.

كان الدكتور شاهين قمةً لا تُسامَى من قمم الفكر الإسلامي والإنساني، وله مواقف لا تُنْتَسَى،وله بصماته العلمية والفكرية على الساحتين المصرية والعربية، وهو السبب الذي جعلني أصعد المنابر، حيث كلَّفني أن أخطب الجمعة في كبريات المساجد، وألَحَّ عليَّ في ذلك، وكنتُ يومها معيدا، لم أزل أدرج في دنيا المحاضرات، ولم أصعد قطُّ منبرا، إلا بعد أنْ شدَّ من أزري، وبيَّنَ لي خطورة عدم تبليغ الدعوة، وإثم البعد عن اعتلاء المنابر مع المقدرة، وأن يقول الإنسان لله كلمة قبل الرحيل، وحتى يلْقَى الله وقد قال له - جل جلاله - في الأرض كلمة، وكان قد أمدَّني ببعض كتبه في الخطابة، وتابعني إلى أن رسَخَتْ منِّي القدَمُ في هذا السيبل، وما تأخَّر عن عقدي قراني على الرغم من أني كنت معيدا صغير السن، مغمور الشهرة والذِّكْر، وكان الدكتور شاهين في قمة الشباب والزهو، وتتطلبه، بل تتخطفه الإذاعات من كل حدب وصوب، وتتزلف إليه أن يتحدث فيها دقائق معدودات إلا أن الأستاذ الكبير- رحمه الله- آثر أن يفرغ وقته وحضر ليعقد لي قراني، وتكلم كلاما أثلج الصدور، وأسعد الحضور، وكان إذا زرته في مكتبه العامر بكليتنا العريقة- أحسست أنك أمام جبل من جبال العلم، وأسطون من أساطين الفكر، وبين يديْ والد حَنون، يداعبك باللفظ، ويُهديك من باقات العلم، وكان ينحت كلمات وجملا تُعَدُّ وقفا عليه، وكان الوقت يمضي معه كأسرع ما يكون، ولم تكن تشبع من حديثه حديثِ العلماء.

مات سيبويه العصر، وأسد دار العلوم، وصاحب اللسان القويم والفكر المتزن المستقيم، والرجل الذي فقدتْه - بحقٍّ وصِدْقِ- دارُ العلوم، دار الأسود الرَّآبيل، وراحَ منها ركنٌ ركين، فاللهم بحقِّ نُبْلِ هذا العالم، وبحقِّ ما قدَّم لأمته، ودينه أن تقبله في عِلِّيِّين، وأن تكتبه في المقرَّبين، وأن تجعله ممن قلت فيهم:"ياعبادي لاخوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون"، وممن قلت فيهم:"ادخلوها بسلام آمنين"، وممن قلت فيهم:"وسقاهم ربهم شرابا طهورا"، اللهم أنزل على قبره الضياء والنور، والفسحة والسرور، واجعله من المصطفيْنَ الأخيار الذين أخلصتَهم بخالصةٍ ذِكْرَى الدار، واجعله من أهلك وخاصتك، يامجيب الدعاء، ويا محقق الرجاء، اللهم ألهمْ أهله، وأبناءه، وطلابه، ومدرسته الصبرَ والسلوان، وبارك فيمن بقي من أساتذتنا الكبار، ومُدَّ في حيواتهم، وأطل في أعمارهم، وسدِّدْ خطواتِهم، ووفِّقْهم في مسيرتهم،وارفع منْ أقدارهم جميعا يا رب العالمين، ولا نقول إلا ما يُرْضِي ربَّنا:"إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا أستاذنا لمحزونون، والحمد لله الذي لا يحمد على مكره سواه، وفي ذمة الله، يا خليل العصر، وأستاذ الجيل، ورِئبال الدار، وفارس القول."

د جمال عبد العزيز أحمد

قسم النحو والصرف والعروض

كلية دار العلوم - جامعة القاهرة

ـ [سليمان خاطر] ــــــــ [05 Oct 2010, 12:33 ص] ـ

أُتْرُجَّةُ دارِ الْعُلومِ

للدكتور محمد جمال صقر

في 22/ 10/1431هـ=1/ 10/2010م

ما ماتَ مَنْ جَعَلَ الزَّمانَ لِسانُه يَتْلو مَناقِبَ عُوَّدًا وَبَوادي

فَاذْهَبْ كَما ذَهَبَ الرَّبيعُ وَإِثرُه باقٍ بِكُلِّ خَمايِلٍ وَنِجاد

الشَّريفُ الرَّضيُّ

' إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعونَ '!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت