فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
مات أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين؛ فـ' مَنْ سَرَّه أَنْ يَنْظُرَ كَيْفَ ذَهابُ الْعِلْمِ فَهكَذا ذَهابُه '، أو كما قال ابن عباس ترجمان القرآن، حين مات زيد بن ثابت - رضي الله عنهم! - كاتب الوحي وجامع القرآن وعالم الأنصار؛ فصَدَّقَ قَوْلَ رسول الله - صلى الله عليه، وسلم!: ' إِنَّ اللّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُه مِنَ الْعِبادِ، وَلكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَماءِ، حَتّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِمًا اتَّخَذَ النّاسُ رُؤوسًا جُهّالًا، فَسُئِلوا؛ فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلّوا، وَأَضَلّوا '!
لقد درستُ عليه أربع سنوات، منذ سنة 3/ 1404هـ=3/ 1984م، الجامعية، دراسة نظامية بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة: أولى دار العلوم، وفيها كان كتابه ' علم اللغة العام '، وثانيةَ دار العلوم وفيها كانت ترجمته لـ' علم الأصوات '، كتاب برتيل مالمبرج، ورابعةَ دار العلوم وفيها كان كتابه ' دراسات لغوية '، وتمهيديةَ قسم علم اللغة وفيها كان كتابه ' المنهج الصوتي للبنية العربية: رؤية جديدة في الصرف العربي '. ثم جلستُ إليه مجالس مختلفة، واطلعتُ على كثير من أعماله اطِّلاعًا حُرًّا، ولكن لم يقم لمعرفتي به شيء مثلما قامت تلك السنوات الأربع!
لقد كان من علماء القرآن دِرايَةً وتِلاوَةً، وما مَثَلُه في الناس إلا مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ ريحُها طَيِّبٌ وَطَعْمُها طَيِّبٌ، أو طَعْمُها طَيِّبٌ وَريحُها طَيِّبٌ، على رِوايَتَيْ تَمْثيلِ رسول الله - صلى الله عليه، وسلم! - مَثَلَ المؤمن الذي يقرأ القرآن؛ تَجْذِبُك إليه أحيانا تِلاوَتُه ثم دِرايَتُه: ريحُها طَيِّبٌ وَطَعْمُها طَيِّبٌ - وتَجْذِبُك إليه أحيانا دِرايَتُه ثم تِلاوَتُه: طَعْمُها طَيِّبٌ وَريحُها طَيِّبٌ!
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ!
لقد تأملتُه قريبا وبعيدا، حتى اجتمعت لي نُقَطُ ملامحه، وظهرت صورته؛ فأحسنت رؤيته، على حين تَلَقَّفَ ناسٌ النقطة من تلك النقط وحدها، فلم يَرَوْهُ - وأحببتُه: ' ... وَلَوْلَا الْحُبُّ لَمْ أَتَكَلَّمِ '! وربما قيل لي: ' ... وَلَوْلَا الْحُبُّ لَتَكَلَّمْتَ '! وهذا وهم فاسد مفسد؛ فإن الحب الخالص، كفيل بأن يفتح العقل لفهم حقيقة المحبوب؛ ولذلك كان حب رسول الله - صلى الله عليه، وسلم! - شرط كمال الإيمان؛ فهو من حُبِّ مُرْسِلِه - سبحانه، وتعالى! - ومِنْ طريق حُبِّه حُبُّ آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، فأما حديث ' حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمي وَيُصِمُّ '، ففيه ضعف! ورحم الله عباس محمود العقاد الكاتب الأديب الفذ! لقد أعرض عن الكتابة عن بعض من تَوَقَّعَ الناس منه الكتابة عنهم في سلسلة عَبْقريّاته، فلما قيل له في ذلك، قال: إنما أكتب عَمَّنْ تَرْفَعُه كتابتي! والحق أنه إنما كان يكتب عمن أحبه حبا خالصا، أَطْلَعَه على مفتاح شخصيته الذي كان مولعا بالبحث عنه. وليس فرضا عليه أن يحب كل عبقري؛ فللمحبة كُنْهُها الذي يصعب وَصْفُه، والكلام هنا إنما هو عن أثر المحبة، لا عن كنهها!
كان أستاذنا رجلا طويل القامة صحيح البنية أنيقا وسيما ميسور الحال مبسوط اليد صافي القلب مصريا عربيا مسلما عبقريا غيورا طموحا، يحار الناس فيه، ولا سيما أصحاب النُّقْطة السابق ذِكْرهم، تُحَيِّرُهم مناقبه، لا مثالبه؛ فلقد نَشَأَ وشَبَّ واكْتَهَلَ وشَيَّخَ راضيا عن حاله، ساخطا على حال أمته، وامتحنه الله - سبحانه، وتعالى! - بالسجن قريبا من منتهى طلبه الجامعي ومبتدأ انطلاقه المعيشي؛ فكأنما أَطارَ بالسجن طائِرًا كان في صَدْره؛ ففَزِعَ كُلَّ مَفْزَعٍ، واشتغل بأعمال كثيرة، ينوء بها العصبة أولو القوة، من غير أن ينخلع في أي منها، عن رضاه ذاك ولا عن سخطه؛ فكان في أكثرها كأنما يُثيرُ الناس إليها، ويغريهم بها، ليُحَقِّقوا منها ما لم يَتَحَقَّقْ، ويُدَقِّقوا ما لم يَتَدَقَّقْ، غيرَ ضائِقٍ بهذه المنزلة!
(يُتْبَعُ)