فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ها هو ذا يتحدث في تقديمه كتاب ' الإسلام يتحدى ' لوحيد الدين خان، عما أريد له أن يكونه فأباه أشد الإباء ورصد حياته للثورة عليه، قائلا: ' جاء جيلنا ليتوهم، أو ليراد له أن يتوهم أنه مجرد وارث لأجيال سابقة، عليه أن يستغل تركتها في خلق ملذاته، فإذا ما جوبِهَ بتحديات عصره لجأ إلى المباهاة بتراثه، المباهاة وحدها، المتمثلة في أكثر الكتابات المنشورة، التي لا تمل أن تحكي وتحكي، حكايات في حكايات، وتقف أحيانا مستعلية من فوق منبر، لتمطر على الحضور وعظا في وعظ، دون أن تبلغ في ظن الجماهير أن تهز وجدانا، أو حتى تحرك قشة. إن أخص صفات عصرنا هي أنه ينتج من الأفكار بقدر ما ينتج من الأشياء، وليس من الضروري أن نتطلب من الأفكار المنتجة أن تكون نافعة دائما كالأشياء؛ فإن المجتمعات التي تصدر إلينا أشياء الحضارة ترى في الأفكار سلعة ينبغي أن تتغير كل يوم، كما تتغير طرز الأشياء؛ ولذلك يقف مثقفونا مبهورين أمام موجات الفكر الواردة من الخارج: ماذا يأخذون، وماذا يدعون؟ بل قل: ماذا يقرؤون، وماذا يترجمون؟ ولا شيء أكثر من هذا! يكفيهم أن يستطيعوا ملاحقة الأفكار دون أن يكون عليهم أن يواجهوها، أو ينقدوها؛ فهم إلى أن يصوغوا نقدا معينا لأحد الاتجاهات الجديدة نسبيا يكون الوقت قد فات، وتَقادَمَ بمرور الزمن ما ينتقدون، وغطت عليه أفكار أخرى أشد لمعانا وأكثر جاذبية وإشعاعا. ومما لا شك فيه أن العالم الإسلامي هدف ثمين من أهداف تصدير الأفكار، نظرا إلى موقعه وخطورة موقفه بين الكتل المتصارعة أو بعبارة أخرى مراكز الإنتاج. والهدف من وراء التصدير واحد لدى كل هذه المراكز، أن يبقى هذا العالم مفتقرا إليها على اختلافها، وأن يحال بينه وبين أفكاره الأصيلة، التي يمكن أن تغنيه عن الاستيراد، وتحقق له الاكتفاء الذاتي '.
تلك كلمةٌ له في تقديم عملٍ لغيره، ولكنها أوجز ما يعبر عن رسالة الثقة والطموح والسخط والجرأة، التي وَطَّنَ عليها نفسه ورصد لها أعماله. والأمثلة كثيرة:
منها عمله بكتابه ' القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث '، الذي قال في مقدمته: ' هذا كله (أعمال اللغويين الحداثيين المعاصرين) وغيره على كثرته وغناه، لم يحاول أن يقترب من دراسة ظواهر اللغة العربية الفصحى دراسة نقدية، تصفي آراء القدماء، وتقومها، وتضع حلولا جديدة للمشكلات التي بقيت دون حل، أو التي نالت حلا خاطئا قام على تصور قديم خاطئ '؛ فأغرى الدكتورَ الطيب البكوش بإنجاز مأموله، وإن لم يبرأ من النعي عليه قائلا: ' إن ما نجده في بعض عناوين هذه الكتب من إشارة إلى ذلك (الدرس في ضوء العلوم اللسانية الحديثة) لا يخلو من ادعاء؛ فنحن لا نجد فيها من الألسنية الحديثة إلا بعض المصطلحات والمفاهيم الثانوية، أما المبادئ الأساسية كالنظام ووظائف وحداته وعلاقة بعضها بالبعض، فإننا لا نجد فيها أثرا لذلك، وهو ما يستوجب إعادة النظر فيها بصفة أعمق وأحدث، مع إثرائها وإنارتها بنتائج البحوث في اللهجات العربية العصرية على اختلافها '.
ومنها عمله بكتابه ' المنهج الصوتي للبنية العربية: رؤية جديدة في الصرف العربي '، الذي قال في مقدمته: ' إن المهم دائما هو الوصول إلى الحقيقة، ولكن وسيلة الوصول تختلف من عصر إلى عصر. ولقد كانت للأقدمين وسائلهم المناسبة لبلوغ ما طلبوا من الحقيقة، ثم مضوا إلى مستقرهم تاركين بصماتهم على ما خلفوا من آثار ودراسات، فيها وصف لما عرفوا من الحقيقة من وجهة نظرهم , وجاء بعد ذلك دورنا في محاولة الوصول إلى الحقيقة، بوسائلنا لا بوسائلهم، ومن وجهة نظرنا، لا من وجهة نظرهم، ولكن عوامل التقليد تقف دائما دون هذه المحاولة في ميدان الدراسات العربية، ولا سيما النحو والصرف. والتقليد هنا يشبه ما يسمى بسياسة فرض الأمر الواقع، على أنه حقيقة يستحيل تغييرها، وليس في معارف البشرية ما يمكن أن يكون قد بلغ الكمال، حتى يستحيل تغييره، ما دام مصدره هو العقل الإنساني؛ فهذا العقل يؤكد في كل لحظة نقصه، بسعيه الدائب نحو كشف المجهول '؛ فأغرى أستاذَنا الدكتور سعد مصلوح بتأمل عمله، مُتَحَفِّظًا منه بمثل قوله: ' أشهد أن هذا المنهج أثار حفيظتي بالفعل، وليس حسنا أن تذهب هذه الدعوة الكريمة
(يُتْبَعُ)