فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وبددناها إسرافًا وعبثًا في غير طائل، وفي غير نفع عاجل ولا آجل؟. إننا حتى لو لم نطالب بالجواب، لكان مجرد تذكيرنا بهذه النعم التي لم تُشكر، وهذه الفرص التي لم تستثمر، كافيًا في أن يملأ صدورنا حُرقة وغُصة، وفي أن يذيب قلوبنا ندمًا وحسرة. ومن هنا صح في الأثر: أنه ما من أحد إلا ندم. إن كان مسيئًا ندم ألا يكون أقلعَ، وإن كان محسنًا ندم ألا يكونَ ازدادَ.
قال الطالب: لعلك قد بلغت بنا الآن غاية المدى، في تحديد الأفق الذي تمتد فيه مسؤوليتنا.
قال المربي: لا تعجل يا بني، إننا بعد لم نذرع هذا الأفق إلا من أحد طرفيه. وبقي أمامنا طرفه الآخر. لقد ذرعناه من جهة وسائل العمل وظروفه ومعداته. وبقي علينا أن نذرعه من جهة أهداف العمل ومقاصده وغاياته .. فمثل الإنسان وما جهز به من وسائل العمل، مثل الرجل يحمل قوسه ووتره وجعبة سهامه تأهبًا للرمي، ومثل ما يؤديه من العمل مثل السهم يرمي به عن قوسه. ومثل ما يتطلع اليه من خلال ذلك العمل، مثل القرطاس الذي يصوّب الرّامي سهمه إليه: {كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) } الاسراء (36) هب نفسك إذًا لم تضيع أوقاتك سُدى، بل بذلت جهدك وأديت عملك. أتحسب أنك بهذا قد تمت مهمتك، وطويت صحيفة مناقشتك؟. كلا. لقد بقي أن تسأل: ماذا قصدت من هذا العمل؟. ما الذي بعثك عليه؟. ما الذي حفزك أليه؟. هكذا أنبأنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم -أنه:"لاتزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن خمس ..."جعل أولى هذه المسائل الخمس، سؤال كل امرئ:"عن عمره فيم أفناه"أي: في سبيل ماذا عمل؟. غلى أي غاية قصد من هذا العمل؟. ذلك أن العاقل لا يعمل عملًا شعوريًا جدّيًا إلا لمعنى يطلبه فيه؟. يعمل لمجرد العمل؟.
قال المربي: لا يكون ذلك أبدًا في عمل جديّ؛ العمل لمجرد العمل، الحركة لمجرد الحركة .. هذا هو العبث بحده وكنهه.
قال الطالب: أليس الذي يفعل الخير للخير يعمل لمجرد العمل؟.
قال المربي: كلا. ولكن لما يجده في طبيعة العمل من صفات فاضلة، وغايات نبيلة، تطمئن بها نفسه ويستريح لها ضميره. فهو قاصدٌ من عمله الى غاية معينة. وإن نوع الغاية التي يقصد اليها كل امرئ من عمله، هو العنصر الأخير الذي يحدد قيمة العمل، فيجعله إما عملًا مبرورًا، وإما عملًا مأزورًا، وإما عملًا لا برًا ولا فاجرًا.
قال الطالب: هل لك في أن تضع لنا معيارًا، نميز به هذه الأنواع الثلاثة من البواعث والمقاصد؟.
قال المربي: اعلم يا بني أن الحديث في هذا ذو شجون وأن للتفصيل فيه مجالًا غير هذا المجال. وحسبك الآن أن تنظر الى مثالين اثنين، ترى منهما كيف أن العمل الواحد ترتفع قيمته أو تنخفض، تبعًا للنوازع والدوافع المختلفة التي تنطوي عليها نفس العامل.
اليك المثال الأول:
هؤلاء ثلاثة نفر، كلهم يقوم أمامنا بواجبات البر والتقوى والعدل والإحسان .. فأما أحدهم، فإنه يفعل ذلك امتثالًا لأمر ربه، وسعيًا في تزكية نفسه، واستصلاحًا لشأن أمته، لا خوفًا من سلطان، ولا حذرًا من عقوبة أو من حرمان، ولا إجتلابًا لثناءٍ أو لجزاءٍ، ولكن نزيهًا مجردًا عن كل غرض، مُبرأ القصد عن كل عرض. فتلك نية خيرة مبرورة، وصاحبها بأعلى منزلة، فهو {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) } سورة الليل. وأما الآخر فإنه يؤدي عمله ختلًا وخداعًا، أو رياءًا للناس: اتقاءًا لسخطهم، أو التماسًا لثنائهم، أو طمعًا فيما بأيديهم أو طلبًا للمنزلة والحظوة عندهم .. فهذه نية آثمة شريرة وصاحبها بأحط منزلة: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) } الماعون. {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} النساء 38. وأما الثالث: فأنه يؤدي حق ربه خوفًا من ناره، أو طمعًا في جنته، كما يعمل عبد العصا خوفًا من العصا، أو كما يعمل عبد الدرهم طمعًا في الدرهم .. فهذه نية بين بين، لا نجد في القرآن تنويهًا بشأنها، ولا تشويهًا لأمرها، ولا مدحًا و قدحًا. فقصارى حظ صاحبها فيما نرى أن يخرج بها كفافًا لا له ولا عليه. (*)
واليك مثالًا ثانيًا:
هؤلاء ثلاثة نفر يزاولون لونًا أو ألوانًا من الرياضة البدنية: سباقًا أو سباحة أو رماية أو مصارعة أو غير ذلك. فأما أحدهم؛ فإنه يبتغي من تقوية بنيته أن تكون له عدة على الصبر والجلد، والطموح وعلو الهمة، ففي مكابدته لأعباء الحياة، وقيامه بواجباتها المقدسة. وأما الآخر، فإنما يحفزه الإعجاب بنفسه، والمفاخرة لأقرانه، والاقتصار على مغامراته، والاشباع لملذاته، والانطلاق غير المحدود لغرائزه. وأما الثالث: فكل ما يعنيه أن يتذوق طعم الحياة الهنيئة البريئة، وأن يستمتع بالحلال الطيب في يسر ورغد.
هم درجات عند الله: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)
(*) هذه زلة وأنا فهمت من كلام شيخنا ياسر برهامي أنهاا ليست بكبيرة كزلة الصوفية لأنه يُحتَمل كونه ينتقد مجرد الاكتفاء بهذه النية، وعلى كل حال فهي زلة. ثم على كونها زلة أو ليست بزلة فللشيخ دراز كلام صريح جدًا في كتاب النبأ العظيم ص208 يجعل (اتقاء أليم العذاب وابتغاء جزيل الثواب) من الأركان الثلاثة للعقيدة الاسلامية التي كان المقصود الأول من مقاصد سورة البقرة هو التحدث عنها
(يُتْبَعُ)