فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51206 من 53113

ـ [خالد محمد المرسي] ــــــــ [23 Dec 2010, 02:49 م] ـ

10 -كل راع مسئول عن رعيته(أُذيع في 21

/1957م)

قال التلميذ لأستاذه: لقد علمتنا أيها المربي الحكيم أننا لكي نعرف حدود مسؤولياتنا المباشرة، ينبغي أن نقيس امتدادها في أبعادها الثلاثة، من جهة عمقها، ومن جهة اتساع أُفقها، ومن جهة ارتفاعها، أما بُعد عُمقها، فقد علمتنا أن مسؤوليتنا تتجاوز منطقة أعمالنا السطحية الظاهرة وأنها تتغلغل في أعماق نفوسنا، حتى نتناول عقائدنا وحركات فكرنا وإرادتنا .. وأما اتساع أفقها، فقد عرّفتنا أنها تجاوز مناطق الأعمال كلها ظاهرة وباطنة، وأنها تمتد من جهة، إلى وسائل الأعمال وأدواتها، ومن جهة أُخرى إلى أهداف الأعمال وغاياتها، هكذا عرفنا امتداد مسؤوليتنا في بُعديها: عمقيًَا، وأفقيًا. وبقى علينا أن نقيس بعدها الثالث، لنعرف امتدادها رأسيًا. ماذا يعني إذًا بامتداد مسؤوليتنا من جهة ارتفاعها؟.

قال المربي: يا بني، لو كان كل إنسان خُلق فردًا، ولا يعمل إلا لحساب نفسه، وليس مسؤولًا إلا عن شخصه، لو كان كذلك، لكانت مهمة كل امرئ تنتهي متى أدى حسابه عن قواه ومواهبه، وعن عمل قلبه وجوارحه، وعن بواعثه ومطامحه .. تلك كلها مسؤوليات شخصية تلازم كل فرد، حتى لو فرض منقطعًا عن العالم، لا ارتباط له إلا بعمله، ولا صلة له بأحد من البشر .. غير أن الانسان بفطرته خلق ليكون عضوًا في جماعة صغيرة أو كبيرة، في أسرة .. في عشيرة .. في منصب رفيع أو متواضع، أو في كيانها، وفي اصلاح شؤونها. ألم تسمع قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} سورة التحريم (6) لقد بيّنَت لنا الحكمة النبوية أن كلمة"الأهلين"لا تخص أقاربنا الأدنين، ولكنها تتناول بمعناها كل من تحت رعايتنا، وكل من وكل أمره إلينا .. فلكل واحد منا - بهذه الصفة الجديدة - مسؤولية جديدة، ليست مسؤوليته عن نفسه، ولكن مسؤوليته عما تحت يده، وعمن تحت يده. مسؤولية الحارس والراعي عمن في حراسته ورعايته، مسؤولية الأمير والوالي، عمن تحت إمرته وولايته.

قال الطالب: أتسمي كل من وكل إليه شأن من شؤون الغير، راعيًا لذلك الغير وواليًا عليه، حتى الخادم والأجير؟!. أنكون نحن رعية لخدمنا وأُجرائنا؟!. أليس العكس هو الصحيح؟!

قال المربي: يا بني. إنها رعاية متبادلة، وولاية مشتركة متقابلة. إنهم تحت رعايتنا فيما نملك، ونحن تحت رعايتهم فيما يملكون .. هم تحت رعايتنا نغذوهم ونكسوهم، ونؤويهم بسواعدهم ويسعون لنا بأقدامهم، ويحرسونا بأسماعهم وأبصارهم ويحيطوننا بوفائهم وإخلاصهم. ومن هنا جاء في الحديث الصحيح، أن الخادم راع ومسؤول عن رعيته. وجاء في الحديث، أنهم إخواننا وخولنا: يتخولوننا ويتعهدوننا .. وهكذا كان اسم"الولاية"في اللغة العربية اسمًا مشتركًًا بين الطرفين. كما أن كل من أمر على شأنٍ من الشؤون، كان مسؤولًا عن إمرته، على تفاوت كبير في درجات هذه المسؤولية.

قال الطالب: بأي مقياس نقيس هذا التفاوت، في درجات تلك المسؤولية الاجتماعية؟.

قال المربي: هنالك مقاييس كثيرة، أقربها لتصورك مقياس الكم؛ مقياس المساحة والعدد. ذلك أنه كلما اتسع مجال النشاط المطلوب منك بذله كلما كثر عدد الأفراد المنوط بك رعايتهم. وكلما ارتفع المكان الذي تشرف منه عليهم، عظمت مسؤولياتك، وتضاعفت تبعاتك. دوائر بعضها فوق بعض، تتدرج في الاتساع على قدر تدرجها في الاتفاع، كأنها هرم مقلوب، قمته المدببة في أسفله وقاعدته العظمى في أعلاه .. من رب الأسرة إلى عميد القرية، إلى والي المدينة، إلى أمير الإقليم، إلى رئيس الدولة .. إذا فهمت هذا يا بني، فاعلم أنك لو عرفت لنفسك قدرها، لم تصعد على هذا السلم إلا بقدر، وبكل تحفظ وحذر .. تبدأ بنفسك فتحكم أمرها، ثم بأسرتك فتصلح شأنها، ثم بما يوكل اليك من الأعمال الجزئية؛ فتسعى في تجويدها وإتقانها .. ولا تمدّن عينيك الى ما وراء ذلك، فتحمّل نفسك ما لا طاقة لك به. فإن عرض لك شيئ من هذه المسؤوليات العظمى، واستطعت أن تتنصّل منه فافعل، فإن ذلك أعون لك على الاحسان والإجادة فيما حملت من الأمانات الأخرى. أما إن لم تجد لك محيصًا عن حمل هذه الأعباء الكبرى، فحملتها وأنت غير مستشرف لها، ولا ساعٍ اليها، فلتتق الله فيها حق تقاته، ولتتخذ لك فيها أسوة حسنة من سيرة الخلفاء

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت