دل مفهوم الحديثين على ذلك، فقد ذكر كثير من العلماء أن سبب حفر الخندق مشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق؛ لأن سلمان قال:"إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة [1] وهذا وغيره يوضح للداعية أنه لا حرج من الاستفادة مما عند الآخرين إذا كان فيه نفع للإِسلام والمسلمين، وليس فيه مخالفة للشرع.
الثامن عشر: من صفات الداعية: الدقة في نقل الحديث: دل حديث البراء رضي الله عنه أن من الصفات التي ينبغي أن يعتني بها الداعية عناية خاصة: الدقة والصحة فيما يقول وينقل للناس؛ ولهذا جاء في هذا الحديث أن الراوي قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى اغمرَّ بطنه، أو اغبرَّ بطنه"قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"شك الراوي" [2] وهذا يدل على عناية السلف بضبط الحديث، وبيانه للناس على الوجه الأكمل [3] .
التاسع عشر: أهمية استجابة المدعو لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم: ظهر في هذين الحديثين أنه ينبغي للمدعو أن يستجيب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ويتحمل المشاق في سبيل العمل بهذا الدين، وقبول الدعوة: استجابة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. كما قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24] [4] وقد ظهر ذلك في هذين الحديثين؛ لقول الصحابة رضي الله عنهم:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
فينبغي لكل عبد من عباد الله أن يستجيب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
(1) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، 3/ 643، والبداية والنهاية لابن كثير 4/ 95، وزاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، 3/ 271، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني، 7/ 393.
(2) فتح الباري، 7/ 401.
(3) انظر: الحديث رقم 20 و 21، الدرس العاشر.
(4) سورة الأنفال، الآية: 24.