المطلب الثاني: شرح دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند المعتزلة هذا الدليل هو المسلك المشهور للمعتزلة، وهو عندهم أشهر من دليل التركيب [1] .وقد تلقوه عن أسلافهم الجهمية؛ إذ هم في الصفات مخانيث الجهمية [2] .وهم وأسلافهم من الجهمية أئمة هذه الطريق، والشبهة كلها أصلا جهمية معتزلية محضة، كما نص على ذلك شيخ الإسلام رحمه الله [3] .
والمعتزلة يرون أن الدلالة المعتبرة في إثبات وجود الله هي (حدوث العالم) . فإذا كان القدم صفة ذات لله وحده يختص بها، ولا يشاركه فيها غيره، كان العالم - بكل ما فيه من أجسام - محدثا [4] .فضلا عن أن الحدوث يتضمن الخلق؛ فإذا كان العالم مخلوقا لله، فهو بالضرورة - بكل ما فيه من أجسام - محدث [5] .
وقد استدلوا على حدوث العالم بحدوث الأجسام والأعراض.
ويستند مذهبهم إلى:
1 -مقدمة كبرى مفادها: (أن ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث) .
2 -مقدمات ثانوية هي:
أ- الأجسام لا تنفك عن الأعراض.
ب- الأعراض لازمة للأجسام؛ (فكما أن الأجسام لا توجد معراة عن الأعراض، كذلك الأعراض تفتقر إلى الأجسام) .
ج - الأعراض حادثة.
3 -نتيجة مفادها أن: الأجسام حادثة. وأول من سلك هذه الطريقة - من المعتزلة -، واستدل بها على حدوث الأجسام: أبو الهذيل العلاف [6] ، فزعم"أن الأجسام لم تنفك من الحوادث، ولم تتقدمها، وما لم يخل من المحدث، ولم يتقدمه يجب أن يكون محدثا مثله" [7] .
وطريقته هذه مبنية على دعاوى أربع:
1 -الأولى: الأجسام لا تنفك عن الأعراض والأكوان؛ (الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون) .
2 -الثانية: الأعراض زائلة. والأكوان متغيرة. وما كان زائلا، أو متغيرا فهو حادث.
(1) (( درء تعارض العقل والنقل ) ) (1/ 301) .
(2) (( مجموع فتاوى شيخ الإسلام ) ) (14/ 348) .
(3) (( مجموع الفتاوى ) ) (6/ 344، 12/ 140، 592) ، (( منهاج السنة النبوية ) ) (1/ 303) ، (( نقض أساس التقديس ) )- مطبوع - (1/ 257) ، (( الصفدية ) ) (2/ 41) ، (( درء تعارض العقل والنقل ) ) (2/ 196، 7/ 223) .
(4) (( شرح الأصول الخمسة ) )لعبد الجبار (130) .
(5) (( شرح الأصول الخمسة ) )لعبد الجبار (130) .
(6) (( تاريخ بغداد ) )للخطيب البغدادي (3/ 366) ، (( مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ) ) (6/ 35) ، (( وفيات الأعيان ) )لابن خلكان (3/ 396) ، (( لسان الميزان ) )لابن حجر (5/ 413) ، (( الأعلام ) )للزركلي (7/ 131) ، (( معجم المؤلفين ) )لعمر رضا كحالة (2/ 91) .
(7) (( شرح الأصول الخمسة ) )لعبد الجبار (95) ، (( أبو الهذيل العلاف ) )لعلي مصطفى الغرابي (52) ، (( في علم الكلام ) )لأحمد محمود صبحي (1/ 339) -القسم الخاص بالمعتزلة- , (( مذاهب الإسلاميين ) )لعبد الرحمن بدوي (1/ 397) .