أولًا: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة:
لمعرفة حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة؛ لابد أن نسوق شيئًا من أقوالهم في ذلك، فنقول وبالله التوفيق. يقول القاضي عبدالجبار:"اعلم أنه لا خلاف في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..." [1] .ويقول في موضع آخر:"... واعلم أن المقصود في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو: أن لا يضيع المعروف ولا يقع المنكر، فإذا ارتفع هذا الغرض ببعض المكلفين سقط عن الباقين، فلهذا: قلنا أنه من فروض الكفايات ..." [2] .ويقول الزمخشري:"... الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات ..." [3] .
من هذه الأقوال؛ يتضح حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة، وهو أنه واجب كفائي.
أدلة المعتزلة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه كفائي:
أ- أدلة المعتزلة على وجوبه:
يقول القاضي عبدالجبار:"والذي يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة والإجماع."
أما الكتاب: فقوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... الآية [آل عمران: 110] . يقول القاضي: فالله تعالى مدحنا على ذلك، فلولا أنها من الحسنات الواجبات وإلا لم يفعل ذلك.
وأما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم: (( ليس لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل ... ) )الحديث. أما الإجماع: يقول القاضي: وأما الإجماع، فلا إشكال فيه، لأنهم اتفقوا عليه" [4] ."
ب- أدلة المعتزلة على أن الأمر بالمعروف ... كفائي:
وأدلة المعتزلة في هذا كثيرة، منها:
من الكتاب: قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104] .يقول الزمخشري:"... إن من في قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ للتبعيض؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات" [5] .ومن السنة: قوله صلى الله عليه وسلم - (( وقد سئل وهو على المنبر من خير الناس؟ - فقال صلى الله عليه وسلم: آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم ) ) [6] . ففي هذا الحديث دلالة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب وجوب عين؛ إذ أن الأمر فيه للترغيب، ولو كان واجبًا وجوب عين لما كان كذلك [7] .
ثانيًا: أقسام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة:
لقد قسم المعتزلة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر باعتبارين:
الأول: باعتبار الحكم:
يرى القاضي عبدالجبار: أن مشايخه أطلقوا القول في وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والواجب أن يفصل القول فيه، فيقال: المعروف ينقسم إلى:
أ- ما يجب والأمر بهذا القسم واجب. ب- المندوب إليه: والأمر بهذا القسم غير واجب؛ لأن حال وجوب النهي عنها، لأن النهي إنما يجب لقبحها والقبح ثابت في الجميع [8] .
الثاني: أقسام الأمر بالمعروف ... باعتبار القائمين به:
لقد قسم القاضي عبدالجبار الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، باعتبار القائمين به إلى قسمين:
أحدهما: ما لا يقوم به إلا الأئمة؛ وذلك كإقامة الحدود، وحفظ بيضة الإسلام، وسد الثغور، وتنفيذ الجيوش وما أشبه ذلك. ثانيهما: ما يقوم به غير الأئمة من كافة الناس؛ وذلك مثل: النهي عن شرب الخمور، والزنا، والسرقة، وما أشبه ذلك، ولكن إذا كان هناك إمام مفترض الطاعة، فالرجوع إليه أولى [9] .
المصدر:المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص 267
(1) (( شرح الأصول الخمسة ) ) (ص142) .
(2) (( شرح الأصول الخمسة ) ) (ص148) .
(3) (( الكشاف ) )للزمخشري (1/ 452) .
(4) (( شرح الأصول الخمسة ) ) (ص145) .
(5) (( الكشاف ) )للزمخشري (1/ 452) .
(6) رواه أحمد (6/ 432) (27474) , قال الهيثمي في (( مجمع الزوائد ) ) (7/ 266) : رجاله ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر. وضعفه الألباني في (( ضعيف الجامع ) ) (2897) , وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لـ (( مسند أحمد ) ): إسناده ضعيف.
(7) انظر (( الكشاف ) )للزمخشري (ص1) (ص452) .
(8) (( شرح الأصول الخمسة ) ) (ص745) ، وانظر (( الكشاف ) ) (1/ 452) .
(9) (( شرح الأصول الخمسة ) ) (ص148) .