وأظن الآن أنه قد وضح للقارئ تمامًا ما هو الكشف الصوفي، وأنه عملية هدم منتظمة للدين الحنيف الذي جاء به سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فما دام إبليس من الناجين فليس هناك شيء ثابت في هذا الدين.
ولا عجب فيما رووا عن إبليس، فإن أستاذهم الحلاج وأحد كبرائهم قال في إبليس ما لم يقله أحد منهم في جبريل؛ إذ جعله سيد الملائكة أجمعين ذلك لأنه أبى أن يسجد إلا لله .. لأن عبادته لله خاصة فقط وذلك كان أعظم الموحدين. وإليك هذه النماذج من الكشف الصوفي اللعين.
المصدر:الفكر الصوفي لعبدالرحمن عبدالخالق - ص190
ملك ينزل إلى الأرض على شكل خواجةكتب أحمد بن مبارك السلجماسي المغربي كتابًا سماه (الإبريز) زعم أنه ينقل ما فيه عن شيخه عبدالعزيز الدباغ المغربي أيضًا، وهذا الشيخ أمي جأهل لم يكن يحفظ حزبًا واحدًا من القرآن بشهادة تلميذه أحمد بن مبارك، ولكنه مع ذلك كان يستطيع التفريق بين القرآن والحديث بمجرد السماع، بل كان يستطيع أيضًا أن يفرق بين القرآن والحديث النبوي والحديث القدسي وكل ذلك بالكشف من غير علم ولا تعليم، وليس كذلك فقط بل كان يستطيع أيضًا أن يفرق ويعلم صحيح الحديث من موضوعه وضعيفه فإذا ألقي إليه الحديث علم هل قاله الرسول أو لا ويقول أحمد بن مبارك اختبرته في ذلك فكنت ألقي عليه الحديث من الجامع الصغير للسيوطي فما قال فيه السيوطي صحيح كان يقول الشيخ عنه صحيح وما قال فيه موضوع يقول موضوع [1] دون أن يتلقى هذا بالعلم وإنما بالكشف فقط بل كان يعرف إن كان الحديث في البخاري أو مسلم أو فيهما أو انفرد فيه أحدهما .. الخ .. ولم يكن هذا هو كل علم عبدالعزيز الدباغ بل كان يعرف معاني القرآن كلها وتفسيره الباطني وعلم الحروف المقطعة في القرآن. بل وكان يعلم جميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء ويعلم تفاسيرها ومعانيها. ولم يكن هذا فقط هو علم الدباغ أستاذ أحمد بن مبارك المزعوم بل كان يعلم ما في اللوح المحفوظ كله من المقادير. بل كان كل هذا الذي لا يحفظ حزبًا من القرآن بشهادة تلميذه لا تغيب عنه ذرة في الأرض ولا في السماء، وأنه هو الغوث الأكبر المتحكم في العالم العلوي والسفلي والوارث للحقيقة المحمدية.
والحقيقة المحمدية في الفكر الصوفي هو الله المستوي على العرش كما قال ابن عربي:"الحقيقة المحمدية هي الموصوفة بالاستواء على العرش" (أهل التصرف في الفكر الصوفي هم أهل الديوان الذين يتحكمون في المقادير وهو الغوث والأقطاب الأربعة) ، المهم أن أحمد بن مبارك يزعم فيما يزعم أن شيخه الأكبر وهو رئيس الديوان الصوفي وأنه استفاد منه علومًا جمة من بعضها كتابه (الإبريز) .
وسيجد القارئ جانبًا كبيرًا من هذه العلوم في الفصل الخاص بالديوان الصوفي لأن الدباغ هذا وصف ما سماه بالديوان الصوفي وصفًا عجيبًا .. والمهم هنا أن ننقل بعض كشوفات الدباغ ..
قال أحمد بن مبارك:"وسمعته رضي الله عنه يقول: إن في كل مدينة من المدن عددًا كبيرًا من الملائكة مثل السبعين ملكًا أو أقل أو أكثر يكونون عونًا لأهل التصوف من الأولياء فيما لا تطيقه ذات الولي؛ قال رضي الله عنه وهؤلاء الملائكة الذين يكونون موجودين في المدن يكونون على هيئة بني آدم فمنهم من يلقاك في صورة خواجة، ومنهم من يلقاك في صورة فقير (أي صوفي أو شحاذ) ، ومنهم من يلقاك في صورة طفل صغير وهم منغمسون في الناس ولكنهم لا يشعرون"أ. هـ (الإبريز ص164،165) .
(1) ليست عادة السيوطي أصلا في كتابه هذا الحكم على الأحاديث بل إنه يورد الحديث ثم يرمز لمن خرجه وحسب، ونادرا جدا ما يتكلم عن حكم الحديث، بل قال في مقدمة الكتاب (وصنته عما تفرد به وضاع أو كذاب)