فهرس الكتاب

الصفحة 1420 من 4723

فحقيقة قولهم - إذا كما أسلفت: تعطيل الباري جل وعلا عن صفاته العلا كلها، وجمهورهم يقولون: إن الله عالم، قادر، حي بذاته، لا بعلم، ولا قدرة، ولا حياة [1] .واعتبر بعضهم تلك الصفات عين الذات، فادعى أنه - تعالى - عالم بعلم هو هو، وقادر بقدرة هي هو، وحي بحياة هي هو [2] .والفرق بين القولين: أن الأول ينفي الصفات كلها، والثاني يثبت الصفة على أنها بعينها ذات، ويثبت الذات على أنها بعينها صفة [3] ، وهو نفي للصفة في الحقيقة، بل ونفي للذات أيضا.

وللمعتزلة حجتان بنوا عليهما نفي الصفات:

أولاهما: حجة التركيب: وملخصها عند المعتزلة: أن إثبات صفات أزلية قديمة لله تعالى، زائدة على ذاته، يجعل الصفة تشارك الذات في القدم الذي هو أخص أوصاف الذات - عندهم -. فيقتضي تعدد القدماء، وهو تركيب ينافي التوحيد - بزعمهم-.وأول من عرف عنه الأخذ بهذه الحجة - من المعتزلة: واصل بن عطاء [4] ، فقد كان ينفي الصفات، زاعما أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء، ويدعي أن ذلك شرك خلاف التوحيد، وكان يقول:"من أثبت معنى، وصفة قديمة فقد أثبت إلهين" [5] .

وثانيهما: حجة الأعراض: وعنها سيكون الحديث في هذا المطلب - بعون الله.

والمعتزلة يأخذون بكلتا الحجتين، ويبنون عليهما تعطيل الباري جل وعلا عن صفاته.

وقد جمع أبو الحسين الخياط المعتزلي بين هاتين الحجتين، فقال في تحليلهما:"إن الله لو كان عالما بعلم، فإما أن يكون ذلك العلم قديما، أو يكون محدثا."

ولا يمكن أن يكون قديما: لأن هذا يوجب وجود اثنين قديمين، وهو تعدد، وهو قول فاسد. ولا يمكن أن يكون علما محدثا: لأنه لو كان كذلك، يكون قد أحدثه الله؛ إما في نفسه، أو في غيره، أو لا في محل.

فإن كان أحدثه في نفسه: أصبح محلا للحوادث، وما كان محلا للحوادث فهو حادث. وهذا محال.

وإذا أحدثه في غيره: كان ذلك الغير عالما بما حله منه دونه؛ كما أن من حله اللون فهو المتلون به دون غيره. ولا يعقل أن يكون أحدثه لا في محل: لأن العلم عرض لا يقوم إلا في جسم. فلا يبقى إلا حال واحد، وهو أن الله عالم بذاته" [6] ."

أما حجة الأعراض: فقد تقدم شرح الدليل عند المعتزلة آنفا، واتضح قولهم: بـ"حدوث الأجسام"لملازمتها للأعراض، أو بعضها؛ كالحركة والسكون، والاجتماع والافتراق.

(1) (( شرح الأصول الخمسة ) ) (151) ، (( المحيط بالتكليف ) )لعبد الجبار (107، 155) ، (( المنية والأمل ) ) (6) ، (( مقالات الإسلاميين ) ) (1/ 244) ، (( الملل والنحل ) ) (44) .

(2) (( الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ) )للخياط المعتزلي (75) ، (( شرح الأصول الخمسة ) ) (183) ، (( الفصول المهمة في أصول الأئمة ) )للحر العاملي (53) ، (( مقالات الإسلاميين ) ) (1/ 245) ، (( التبصير في الدين ) ) (70) ، (( الملل والنحل ) ) (49) .

(3) (( الملل والنحل ) ) (50) .

(4) (( الفرق بين الفرق ) ) (20) ، (( الملل والنحل ) ) (46) ، (( لسان الميزان ) )لابن حجر (6/ 214) ، (( المعتزلة وأصولهم الخمسة ) )لعواد المعتق (52) .

(5) (( الملل والنحل ) ) (46) .

(6) (( الانتصار للخياط ) ) (111، 170) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت