هذا فلينظر كيف يعلن علي رضى الله عنه على ملأ الشهود عن الفاروق رضي الله عنه بصوته الرفيع أنه قوم العوج، وعالج المرض، وعامل بالطريقة النبوية، وسبق الفتنة وتركها خلفا، لم يدركها هو، ولا الفتنة أدركته، وانتقل إلى ربه وليس عليه ما يلام عليه، أصاب خير الولاية والخلافة، ولحق الرفيق الأعلى، ولم يلوث في القتل والقتال الذي حدث بين المسلمين طائعًا لله، غير عاص، واتقى الله في أداء حقه، ولم يقصر فيه ولم يظلم.
فهذا هو الذي يليق أن يضرب الدين في عصره العطن.
وكان عليّ وهو قائد أهل البيت يعد الفاروق ملجأ للإسلام، ومأوى للمسلمين ومرجعهم، فانظر كيف يصفه بهذه الأوصاف ولقد استشاره في الخروج إلى غزو الروم فقال له:
إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك، فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم. ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلًا محربًا، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى، كنت ردأ للناس ومثابة للمسلمين" (نهج البلاغة) تحقيق صبحي صالح ص193)."
ويكتب ابن أبي الحديد تحته شرحًا لهذه الخطبة"فتنكب مجزوم لأنه عطف على تسر وكهفة أي كهف يلجأ إليه، ويروي كانفة أي جهة عاصمة .. ، وحفزت الرجل أحفزه أي دفعته وسقته سوقًا شديدًا وردأ أي عونًا، ومثابة أي أمنا، ومنه قوله تعالى: مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة: 125] ، أشار عليه السلام أن لا يشخص بنفسه حذرًا أن يصاب فيذهب المسلمون كلهم لذهاب الرأس، بل يبعث أميرًا من جانبه على الناس ويقيم هو في المدينة، فإن هزموا كان مرجعهم إليه" (شرح نهج البلاغة) (2 جزء8 ص369، 370) .
والقارئ حينما يقرأ هذه الخطبة يعرف الحب المتدفق من خلال الكلمات للفاروق والحرص على شخصه وحياته، والرجاء والتمني لبقائه في الحكم والخلافة ذخرا للإسلام والمسلمين رغم أنوف المبغضين والطاعنين فيه، ثم الجدير بالذكر أن الفاروق رضي الله عنه كان مصممًا للمسير إلى المعركة بنفسه والمرتضى علي رضي الله عنه كان يعرف ذلك، ومع ذلك أراد منعه قدر المستطاع لما كان يراه سببًا لعز الإسلام ومجده وشموخه، وأن لا يمسه سوء حتى لا تنقلب على الإسلام ودولته قالة ولا تدور عليه الدائرة، وأكثر من ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يريد أن ينيب عنه في العاصمة الإسلامية علي بن أبي طالب رضي الله عنهما (يأتي ذكره في محله مفصلًا) وكانت له فرصة ذهبية لأخذه زمام الأمور واسترداد الحقوق الموهمة التي يظنها القوم بأنها سلبت، وقد ملؤوا من ذكرها الكتب والصحف ولطالما بكوا عليها بكاء مرًا وبكاء إخوة يوسف حيث القضية بالعكس تمامًا، لأن الذي ينيبون عنه، ويصيرون وكلاءه ومحاميه ومدافعيه، بل ومحاربيه ومقاتليه يظهر الأمر منعكسًا تمامًا، وكان عليّ طوال مدة خلافته هكذا معه لا يريد أن يلقي نفسه في المخاطر فصار كالرقيب عليه، محافظًا على حياته، ساهرًا على مصالحه، راجيًا له البقاء والدوام، ناصحًا مناصحًا لله وفي الله وصلاح الأمة وفلاحها، ولذلك لما استشاره في الشخوص لقتال الفرس بنفسه منعه من ذلك وقال له: