فهرس الكتاب
فأما ما رووه عن سلمان فإنه كذب، ومحال كذلك، فقد رويت هذه القصة بلا سند. ثم إن الآية نزلت بمكة بالاتفاق كما قال القرطبي، وسلمان إنما أسلم بالمدينة كما هو معلوم. ثم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينهي أشد النهي عن مثل هذه الأمور المنافية للوقار والخشوع، فإنه كان صلى الله عليه وسلم يبغض الصياح أو إظهار التخشع عند سماع القرآن أو المواعظ إلا في الحدود المشروعة، ومن ذلك ما رواه أنس قال: وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فإذا برجل قد صعق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من ذا الملبس علينا ديننا إن كان صادقًا فقد شهر نفسه وإن كان كاذبًا فمحقه الله ) ) [1] .
وقد عرف عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يخشعون تمام الخشوع، فتذرف عيونهم وتخاف قلوبهم، ولم يصعق أحد منهم وهم أعرف بالله من غيرهم وأتقى له وأكثر انقيادًا وقبولًا للحق تمسكًا به، ولو كان ذلك الوجد والهيام والصعق خير لما سبقهم أحد إليه.
واما احتجاجهم بقول الله تعالى لأيوب: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ص:42] فهذا احتجاج يدل على جهل صاحبه بحقيقة حال أيوب المبتلى بما لا يصبر عليه أحد إلا من أعانه الله وقوى يقينه، فإنه يقال لهذا المحتج: إن الله لم يأمر أيوبًا بضرب رجله فرحًا وطربًا.
وإنما أمر بضرب رجله من باب فعل الأسباب إكرامًا من الله تعالى له، ثم إنه لم يركض برجله ابتداء وإنما تنفيذًا للأمر، وكذلك لإشعاره بتغير الحال، ولحكم أخرى لا يعلمها إلا الله تعالى ليس منها جواز الرقص، ولم يك حاله يستدعي أن يضرب برجله الأرض تواجدًا وطربًا إلا عند الجفاة.
وأما احتجاجهم بحجل على وجعفر وزيد، فإن الحجل هو نوع من المشي يفعل عند الفرح وارتياح النفس أحيانًا ليعبر الشخص به عن فرحه دون قصد الرقص والتمايل، والصحابة هؤلاء لم يكن منهم رقص ولا تمايل ولا إنشاد قصائد الغزل المهيجة، فليس فيه دلالة على ما يريد المتصوفة، وما فعله هؤلاء الصحابة إنما كانت حالة عارضة لا قصد لهم فيها لإظهار الطرب والتواجد.
وأما احتجاجهم بزفن الحبشة فإن الزفن أيضًا نوع من المشي مع الرقص ويشير كذلك إلى الاعتداد بالنفس، وأكثر ما يفعل عند اللقاء في الحرب إظهارًا للشجاعة وعدم المبالاة بالعدو، وليس المقصود منه الرقص والطرب كما يرى الصوفية.
وأما ما ذكروه عن سعيد بن المسيب - رحمه الله - فإنه مكذوب عليه، وليس هذا شعره، وهو أوقر من أن يصل إلى هذا الحد.
وهذه الأبيات فيما يذكره الأدباء قالها محمد بن عبد الله بن نمير الشاعر الثقفي، يتغزل فيها بزينب بنت يوسف الثقفي أخت الحجاج. وقد هرب بعد ذلك إلى عبد الملك خوفًا من الحجاج، فسأله عبد الملك بن مروان عن الركب ماذا كان؟ فقال له: كانت أحمرة عجافًا حملت عليها قطرانًا من الطائف، فضحك عبد الملك وأمر الحجاج أن لا يؤذيه. ثم لو قدرنا أن ابن المسيب ضرب برجله الأرض فليس في ذلك حجة على جواز الرقص، ولا أنه ضرب بها وهو يريد الرقص، فإن الإنسان قد يضرب برجله الأرض أو يدقها لشيء يسمعه ولا يسمى ذلك رقصًا منه، بل إن الإنسان قد يضرب برجله الأرض إما فرحًا وإما غضبًا وإما غيظًا [2] .
(1) قال ابن عراق في (( تنزيه الشريعة ) ) (2/ 343) (ابن لال) وفيه أحمد بن محمد الجعفي قال الذهبي في (( الميزان ) )هذا حديث باطل، وقال الفتني في"تذكرته" (85) هذا باطل
(2) انظر: (( الصوفية معتقدًا ومسلكًا ) ) (ص231) .