ومنذ ذلك الحين وكتاب الله يتنقل من جيل إلى جيل، بصورة وحيدة فريدة «1» متعارف عليها في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
بهذا يتبين لنا بوضوح امتياز القرآن الكريم بوصوله إلينا خاليا من التبديل والتغيير والتحريف والزيادة والنقصان، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وصدق الله العظيم إذ يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «2» .
وإلى ما تقدم أشار الإمام الشاطبي في عقيلة أتراب القصائد بقوله «3» :
إن اليمامة أغواها مسيلمة ال ... كذاب في زمن الصديق إذ خسرا
وبعد بأس شديد حان مصرعه ... وكان بأسا على القرّاء مستعرا
نادى أبا بكر الفاروق خفت على ال ... قرّاء فادّارك القرآن مستطرا
فأجمعوا جمعه في الصحف واعتمدوا ... زيد بن ثابت العدل الرضي نظرا
فقام فيه بعون الله يجمعه ... بالنّصح والجدّ والحزم الّذي بهرا
من كلّ أوجهه حتى استتمّ له ... بالأحرف السبعة العليا كما اشتهرا
فأمسك الصّحف الصديق ثم إلى ال ... فاروق أسلمها لما قضى العمرا
وعند حفصة كانت بعد فاختلف ال ... قرّاء فاعتزلوا في أحرف زمرا
وكان في بعض مغزاهم مشاهدهم ... حذيفة فرأى في خلفهم عبرا
فجاء عثمان مذعورا فقال له ... أخاف أن يخلطوا فادّارك البشرا
فاستحضر الصحف الأولى التي جمعت ... وخصّ زيدا ومن قريشهم نفرا
(1) وينبغي هنا أن نثبت أن المصاحف التي أرسلها عثمان إلى الأمصار لم تكن كلها متطابقة تماما، في كل حرف حرف، بل كان بين بعضها وبعض اختلاف يسير، نصّت عليه الكتب التي ألّفت بعد ذلك في الرسم العثماني، وفي مصاحف الأمصار وهو اختلاف لا يضر مثله، ولذا اعتبرت كل المصاحف العثمانية صورة واحدة من المصحف الإمام.
(2) سورة الحجر: الآية (9) .
(3) نفس المصدر السابق.