اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى: أن تكون معجزة الرسالة الخاتمة أو الآية الدالة على صدق الرسول في التبليغ عن ربه هي القرآن الذي جمع بين البيان الواضح، والإعجاز القاطع لحجة المعاندين والجاحدين وذلك ليتهيأ استمرار التبليغ بعد الرسول صلّى الله عليه وسلم، واستمرار وسائل الإقناع على مرّ الزمن.
وعلى هذا لم يكن دليل إعجاز القرآن قاصرا على الإعجاز البياني كما كان في عصر النزول بل كان جامعا لعدد هائل من دلائل الإعجاز بحيث يواجه كل العصور، وجميع نواحي النشاط الإنساني في تفوق معجز يجذب إلى دعوته المزيد من الأجيال.
أقول إن أئمة الكفر أنفسهم شعروا بسلطانه على القلوب- وهو القدر المتاح لهم لإدراك إعجازه البياني- فقالوا لأتباعهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ وذلك خوفا من سريان الروح التي شعر بها الوليد ابن المغيرة حين قال: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو، ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته» وهو نفس الإعجاز الذي أدرك منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجها يناسبه- حينما- سمع القرآن في بيت أخته فتهاوى صرح الشرك من قلبه وشمخ صرح الإيمان في كيانه، ومن هذه الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم وتلك الهيبة التي تعتريهم عند تلاوته، أسلم جماعة من كفار العرب عند سماعهم آياته منهم جبير بن مطعم، فإنه سمع النبي صلّى الله عليه وسلم، يقرأ في المغرب بالطور وقال: فلما بلغ قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ إلى الْمُصَيْطِرُونَ كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإسلام