«كنت جالسا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذ شخص «1» ببصره ثم صوبه ثم قال:
أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى إلى آخرها ... وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبي صلّى الله عليه وسلم يقرأ على خلافه، فبلغ ذلك مبلغ التواتر.
وقال مكي وغيره: ترتيب الآيات في السور بأمر من النبي صلّى الله عليه وسلم، ولم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة «2» .
وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا. وقال أيضا:
الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله هو الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى ورتبه عليه رسوله من آي السور لم يقدم من ذلك مؤخر ولا أخر منه مقدم، وأن الأمة ضبطت عن النبي صلّى الله عليه وسلم ترتيب آي كل سورة ومواضعها وعرفت مواقعها، كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة أنه يمكن أن يكون الرسول صلّى الله عليه وسلم قد رتب سوره، وأن يكون قد وكل ذلك إلى الأمة بعده ولم يتولّ ذلك بنفسه. قال وهذا الثاني أقرب.
وأخرج عن ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: إنما ألّف القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي صلّى الله عليه وسلم «3» .
وقال البغوي في شرح السّنّة: الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين. القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله صلّى الله عليه وسلم من غير أن قدموا شيئا أو أخروا، أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وكان
رسول الله صلّى الله عليه وسلم يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه
(1) قال في المصباح: شخص بصره من باب خضع: إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف ا. هـ.
(2) نفس المصدر السابق ص 82 وما بعدها.
(3) نفس المصدر السابق ونفس الصفحة.