عبد الرحمن السلمي مع المصحف الكوفي، وعامر بن قيس مع المصحف البصري، وأمر زيد بن ثابت أن يقرئ الناس بالمدني.
ولا ندري لم لم يرسل عثمان رضي الله عنه لكل بلدة من البلاد الإسلامية مصحفا أو بضعة مصاحف، والذي ظهر لي والله تعالى أعلى وأعلم أن ذلك كان لقلّة النّسّاخ في عهدهم من ناحية ولعدم وجود الورق عندهم من ناحية أخرى، فقد كانوا يكتبونها على الجلود والعسب واللخاف والأكتاف ونحوها فربما يلزم لكتابة مصحف واحد قنطار من هذه الأشياء.
ولقد وصف الزنجاني مصحف عليّ رضي الله عنه بأنه كان في سبعة أجزاء وقد أتى به يحمله على جمل وهو يقول هذا القرآن جمعته، وروى أن الصاحب بن عبّاد المتوفى سنة 385 هـ كان يحمل معه أسفاره من الأغاني على أربعين جملا، وذكروا أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كان كثيرا ما يكتب المسائل على العظام حتى ملأ منها خبايا «1» .
كل ذلك كان لعدم انتشار الورق عندهم في ذلك العهد، ولا ندري كيف كانوا يعثرون على مسألة من المسائل وهي مكتوبة على نحو العظام واللخاف الأكتاف التي يعسر ترتيبها؟ لا شك أن مراجعتها والوقوف عليها ليس بالهين اليسير، ومع ذلك فقد كانوا أئمة الدين وأنجم الهدى.
والذي نراه أن المصاحف العثمانية التي أرسلت إلى الأمصار كتبت على الجلود بالخط الكوفي الذي ما كانوا يعرفون من الخط سواه، وكتبت بغير نقط ولا شكل، ولم يكن فيها علامات للأجزاء والأحزاب ونحوها «2» .
(1) نستنتج مما ذكر: أن المصاحف التي رفعت على رءوس الرماح في الحرب بين عليّ ومعاوية رضي الله عنهما سنة 37 البالغ عددها نحو ثلاثمائة مصحف طلبا للهدنة وحقنا للدماء، لم تكن بمصاحف كاملة وإنما هي أجزاء من القرآن مكتوبة على نحو العسب والألواح والأكتاف وبذلك يمكن للرجل رفع ما كتب من القرآن على شيء مما ذكر، فإطلاق المؤرخين رفع المصاحف في هذه الحرب إنما هو من إطلاق الكل وإرادة الجزء والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم وأعدل.
(2) نفس المصدر السابق ونفس الصفحة.