فهرس الكتاب
قال الإمام أبو عبد اللّه الحليمي رحمه اللّه: معنى قوله:"رهبانية أمتي الجهاد"، أن النصارى كانت تترهب بالتخلي من أشغال الدنيا، ولا تَخَلِّتيَ أكثر من بذل النفس في سبيل اللّه فتقتل، وأيضا فأولئك المترهبة كانوا يزعمون أنهم إنما يتخلون في الصوامع الديارات (1) لئلا يؤذوا أحدا، ولا أذى أشد من ترك المبطل على باطله، لأن ذلك يعرضه للنار، فإن تكن الرهبانية دفع الأذى عن الناس، فالجهاد دافع عن المجاهدين أعظم الأذى فهو الرهبانية إذا، لا ما تتوهمه ا لنصارى (2) .
قال المؤلف عفا اللّه عنه: إطلاق الراهب على من رهب أن يؤذي غيره قليل، والقاصد منهم لذلك على الحقيقة قليل أيضا، إذ لا يتهيأ هذا الشهود إلا للكمّل منهم الذين صفت بواطنهم بدوام العزلة والرياضة فكشفت لهم حقائق نفوسهم الأمارة ؛ وشهدوا ما يتعدى من شرها وأذاها للخلق حال الخلطة والاجتماع، فحبسوا أنفسهم في الصوامع حبس الكلب العقور، ولو كان لا يسمى راهبا، إلا مثل هؤلاء لما كان يخلص من كل ألف راهب راهب .
وأكثر ما يطلق الراهب على من رهب غيره، أي: خافه، والذي يظهر أن الراهب لما رهب اللّه فاجتهد في عبادته ورهب الخلق أن يشغلوه عنها وأن يكونوا سببا في سخط اللّه عليه وطرده عن بابه سمى فعله هذا رهبانية، كذلك المجاهد لما خاف اللّه فامتثل أمره وخاف الكفار أن يستولوا عليه وعلى غيره من المسلمين لوترك جهادهم فبادر إلى قتالهم ودفعهم سمي فعله هذا رهبانية .
(1) الصوامع: جمع صومع - وهو بيت العبادة عند النصارى . ومتعبد الناسك . المعجم الوسيط: 1/523.
(2) والديارات جمع دار، هو المحل يجمع البناء والساحة، والمنزل المسكون . المعجم الوسيط: 3/302-303. المنهاج في شعب الإيمان: 474/2 .