فهرس الكتاب
ويحتمل أن الرهبانية لما كانت عبارة عن اعتزال الخلق والفرار منهم والإقامة في قلل (1) الجبال وفي الصوامع بمهامه القفار، ومجاهدة للنفس في ترك شهواتها وبعدها عن مواطن مألوفاتها، وتحميلها ما يشق من الأفعال رهبة من اللّه وخوفا من عقابه كان الجهاد أيضا رهبانية، لأنه عبارة عن تعريض النفس لأنواع المكاره وبذلها في سبل (2) المتالف وتسليمها لمشتريها من غير مماطلة بها رهبة من اللّه وخوفا منه .
وأقرب مما تقدم أن يقال: لما كانت الرهبانية عبارة عن تحمل أشق ما يكون على النفس سمي الجهاد أيضا رهبانية، لأنه بذل النفس والمال وهو أشق ما يكون، وشتان بين من يجاهد نفسه مع حياتها وتناول بعض ملذوذاتها، وبين من عرضها لأعظم مكروهاتها، وحرص على فنائها وإن كان سبب بقائها وحياتها، اللهم ارزقنا ذلك بمنك وفضلك يا أرحم الراحمين .
130 -وروى ابن المبارك، عن ابن لهيعة (3) ،
(1) القلل جمع قلة وهي أعلى الجبل، وقلة كل شيء أعلاه . انظر: الصحاح: 5/1804.
(2) في (ر) و (ع ) :سبيل.
130-الجهاد: 1 /68 . ويشهد لهذا المرسل الحديث التالي .
(3) عبد الله بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء ابن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري القاضي صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب أعدل من غيرهما، مات سنة أربع وسبعين . وقد ناف على الثمانين، م دت ق . تقريب التهذيب: ص 186 .
وقال ابن القيم رحمه اللّه: وحديث ابن لهيعة يحتج منه بما روي عنه العبادلة كعبد اللّه ابن وهب وعبد اللّه بن المبارك وعبد اللّه بن يزيد المقرئ، قال أبو زرعة: ابن لهيعة كان ابن المبارك وابن وهب يتبعان أصوله، وقال عمرو بن علي: من كتب عنه قبل احتراق كتبه مثل ابن المبارك وابن المقرئ أصح ممن كتب بعد احتراقها، انتهى . أعلام الموقعين: 2/441 .