فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 552

وإن تذكرت ولدك الكريم وحنوت عليه حنو الأب الشفيق الرحيم، فقد قال الله تعالى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم(1) .

وتا الله لله أرحم بالولد من أبيه وأمه، وأخيه وعمه، وكيف لا وهو قد رباه قبلهم بثدي رحمه، في ظلمات الأحشاء، وقلبه بيد لطفه ورأفته في أرحام الأمهات وأصلاب الآباء، فأين كانت شفقتك عليه إذ ذاك، وحنوك وبعدك عنه ودنوك، وكيف يقعدك عن دار النعيم، وجوار الرب الكريم، ولد إن كان صغيرا فأنت به مهموم، أو كبيرا فأنت به مغموم، أو صحيحا فأنت عليه خائف، أو سقيما فقلبك لضعفه واجف (2) ، إن أدبته غضب وشرد، أو نصحته حرد (3) وحقد، مع ما تتوقعه من العقوق المعتاد، من كثير من الأولاد، إن أقدمت جننك، وإن سمحت بخلك، وإن زهدت رغبك، عظمت به الفتنة، وأنت تعدها منة، وعم به البلاء، وأنت تراه من النعماء، تود سروره بهمك، وفرحه بحزنك، وربحه بخسرانك، وزيادة درهمه وديناره بخفة ميزانك، تتكلف من أجله ما لا تطيق، وتدخل بسببه في كل مضيق، ألقه يا هذا عن بالك إلى من خلقك وخلقه وتوكل في رزقه بعدك على الذي رزقك ورزقه، أسلمت إلى الله تدبيره في الملك والملكوت، ولا تسلم إليه تدبير ر ولدك بعدما تموت، وهل إليك من تدبيره قليل أو كثير: (ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير(4) ، والله لا تملك له ولا لنفسك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا تستطيع أن تزيد في عمره يسيرا، ولا في رزقه نقيرا، وقد تفترسك المنية بغتة، فتمسي في قبرك صريعا وبعملك أسيرا، ويصبح ولدك العزيز بعدك يتيما، ويقسم مالك وارثك عدوا كان أو رحيما، ويفترق عيالك ظاعنا ومقيما.

(1) سورة التغابن: آية 15 .

(2) أي: مضطرب . الصحاح: ص 649 .

(3) الحرد بالتحريك الغضب . الصحاح: 2/464 .

(4) اقتباس من سورة المائدة: آية 18 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت