فهرس الكتاب
قال محمد تقي الدين: هذه الشطحات كل واحدة منا كفر صريح، وقد اعتذر التجانيون عن أصحابها بزعمهم حين قالوها كانوا قد فنوا في الله ولم يبق عقل ولا شعور، فسقط عنهم التكليف، فأما أن يكونوا مجانين فقدوا عقولهم أو ولدوا مجانين، فكيف يُدوِّنون هذيانهم، ولسيما ما هو كفر، ويُعظِّمُونهم ويمدحونهم على ذلك الهذيان الكفري والمجنون، كالبهيمة لا ُيحمد ولا يُذم، ولا يُقال أنه ولي الله ولا عدو الله إلا باعتبار ما كان قبل فقد عقله، وهم لا يسلمون أنهم مجانين بل يصفونهم بالعلم والولاية والصلاح وبلوغ أعلى المراتب، وذلك لا يكون إلا إذا كانوا عقلاء فإن كانوا عقلاء فقد كفروا بالله، وإن كانوا مجانين فلا فضل لهم، ومن دوَّن كفرياتهم وعظَّمهم بسببها من العقلاء فهو مثلهم في الكفر، والعادة جارية أن المجنون إذا كان قبل الجنون صالحا يذكر الله ويعظمه فإنه يبقى بعد الجنون كذلك في حكم العادة، ولا يكاد يتكلم بكفر أو فجور لأنه لم يتعود شيئا من ذلك، وأما إذا كان قبل إصابته بالجنون كافرا أو فاجرا فإن لسانه يبقى منطلقا لما كان عليه قبل الجنون، وقد رأيت في بلدة (عسلة) من بلاد الجزائر شيخا متصوفا يطعم كل من ورد عليه، وزرته في زمان الضلال مرارا فكان يقدمني لأصلي به ومن معه، فكنا إذا كبرنا للصلاة بدأ يسب الله ويصفه بالخداع والغدر، وما أشبه ذلك رافعا صوته، فإذا فرغنا من الصلاة أكب الناس عليه يقبلون يديه، ويلتمسون منه الدعاء والبركة، لاعتقادهم أنه كان في حضرة الله، وأنه بلغ من علو المقام عند الله إلى حد أنه كان يخاصمه على سبيل الدعابة والتذلل، أما أنا فبقيت حيران في أمره، ولم أجزم بشيء، وذلك لفرط جهلي وعدم معرفتي لتوحيد الله تعالى، وما يليق بجلاله سبحانه، هذا وكنت أُعد من فقهاء الشبان إلا أن الطريقة وبدعها أعمت بصيرتي، وأقبح من ذلك أنني كنت شديد الغلو في تعظيم شيخ الطريقة التجانية حتى أني مرة كنت في قرية (أبي سمغون) وهي