والعجيب من النصارى إذا نظروا في القران لا ينظرون بقصد معرفة الحق البتة. بل ينظرون فيه بقصد البحث عن العيوب بزعمهم فيقولون - مثلا - من أين جاء محمد بهذه القصة؟ فلا يزالون ينقبون فإن وجدوا قصة مشابهة لها في التوراة أو الإنجيل أو في التلمود فرحوا فرحًا عظيمًا وظنوا أنهم ظفروا بضالتهم المنشودة وجزموا بأنها مأخوذة من ذلك المصدر ، ولا يبالون بالمخالفات الكثيرة التي تكون بين القصتين أو بين الشريعتين.
[ دفع شبهة أخرى من شبه النصارى ]
فمن ذلك -مثلًا- قصة نوح فإنهم يجزمون أن القرآن أخذها من التوراة مع أنه في زمان نزولها لم يكن في مكة يهودي واحد ، والأشخاص الذين كانوا يعرفون الكتابة والقراءة كان عددهم قليل جدًا ولم يكن بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا العداوة والبغضاء ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف قراءة ولا كتابة ، وكان أعداؤه له بالمرصاد ، فلو رأوا قارئا يتردد عليه أو رأوه يتردد على قارئ لشنعوا عليه ، وقصة نوح في التوراة محكية بأسلوب تفصيلي وصفت فيه السفينة طولها وعرضها وارتفاعها ، وقد اتخذ الملاحدة ذلك ذريعة إلى الطعن في التوراة ، وقالوا إن سفينة بتلك الصورة لا يمكن أن تستقر في البحر دقيقة واحدة ، وحكاية القرآن للقصة لم يستطيعوا أن يوردوا عليها شيئًا من ذلك .
وهكذا اتخذوا ما في التوراة من وصف أجزاء الأرض وجغرافيتها ذريعة إلى الطعن في صحتها ، ولم يجدوا في القرآن شيئًا يجعلونه هدفا لتعنتهم ، ثم إنك تقرأ القصة في القرآن وتقرأ مثيلتها في التوراة فتجد البون بينهما شاسعًا ، تجد أسلوب القصة في القرآن أسلوبًا ربانيًا جذابًا تتخلله المواعظ والأنذار والبشارة ، بعيدًا عن أساليب كلام البشر ، وتجدها في التوراة بخلاف ذلك .