قلت: إن بناء التطور على غير أساس التراث المجيد هو سبب تأخر العرب. برهان ذلك أن الدول العربية غير متمسكة بالشريعة الإسلامية كما كان أسلافها متمسكين بها علما وعملا وانقيادا وطاعة. فغالب ما حرمه الإسلام هو حلال في قوانينهم. وكل ذنب أوجب الإسلام العقاب عليه هو مباح في تلك القوانين، لا يخشى مرتكبه نكالا، يفعل جهارا من غير خوف ولا وجل، حتى الردة عن الإسلام وسب مقدساته لا يخشى مرتكب ذلك مؤاخذة. ودليل ذلك صدور مجلة تشتمل على ما نقلناه أعلاه في بلد أغلب سكانها مسلمون، وطائفة منهم نصارى، والزنادقة منهم الذين لا يدينون لا بالإسلام ولا بالنصرانية قليلون جدا. فادعاء كاتب المقال المنقود أن الإيمان بالله يعوق العرب ويمنعهم من التطور والتقدم، هو اختلاقٌ من بنات غيره. وإذا ثبت أن الإسلام وحده هو سبب حياتهم وانتقالهم من الشقاء والجهل والفقر والتخاذل وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية إلى أضدادها، وثبت أن إعراضها عن الإسلام هو سبب انحطاطهم وبلوغهم إلى الدرك الأسفل من الضعف والتأخر، والتاريخ أصدق شاهد، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وإذا كان غير الإسلام من الأديان البعيدة عن العقل التي لا تمس حياة الإنسان الاجتماعية لا من قريب ولا من بعيد لم تمنع المتمسكين بها من بلوغ غابات الرقي والتقدم، فكيف يمنع من ذلك الإسلام الذي هو نصير العقل والعلم والحرية والعدل والمساواة. وقد جرب العرب الإعراض عن الإسلام وشريعته عشرات السنين فلم يزدادوا إلا خبالا، فما يريد منهم هذا الكاتب؟ لا شك أن وراء الأكمة ما رواءها، فلعله يريد أن يدخلهم في إيمان جديد ودين جديد يزيدهم خبالا ووبالا فيحرم عليهم البقية الباقية من حرية الاعتقاد وحرية العمل وحرية التنقل وشيء من حرية القول ويجعلهم أنعاما سائمة يرعاها ذئب مكشر أنيابه للافتراس.