فهرس الكتاب
ومن المعلوم أن الغرائز يشترك فيها الحيوان الأعجم مع الحيوان الناطق. وقد فضل الله الإنسان وكرمه بالعقل كما قال تعالى في سورة الإسراء 70 (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) ولا تزال الغرائز في صراع ونزاع مع العقل، فمتى تغلب الغرائز عني العقل وسيطرت عليه التحق الإنسان بالحيوان الأعجم كما قال تعالى في سورة الانفعال 22 (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) صدق الله العظيم، إن الدواب الإنسانية التي تغلبت غرائزها على عقولها فلم يبق لها من الإنسانية إلا الصورة والشكل شر من الدواب العجم التي لا عقل عندها يكبح جماح غرائزها ويهديها إلى الحق ويقيم لها البرهان عليه. ومتى تغلب العقل على الغرائز وسيطر عليها صار في طريق الكمال الإنساني حتى يصل الغاية القصوى، وهي العلم والمعرفة. و أول ما يدركه العقل بعد تغلبه على الغرائز التي يشترك فيها مع البهائم معرفة أن هذا العالم العجيب المتقن الصنع في دقة ونظام لا يكاد العقل يدرك كنههما، لا بد له من صانع مبدع متصف بصفات عالية لا تشبه صفات المصنوع. ولا يقبل العقل المتغلب على الغرائز دعوى المصادفة. وهي أن كل ما نرى وندرك بسائر حواسنا من أسرار هذا الكون وعجائب أحكام صنعه لم توضع له خطة سابقة ولا منهاج ولا تدبير، وإنما وجد على سبيل الاتفاق، وليس وراءه مدبر ولا موجد، وقد نشأ بلا علم ولا حكمة، حتى لو أراد العقل الحر الذي لم تستعبده الغرائز أن يجبر نفسه ويرغمها على قبول فكرة المصادفة، لم يقدر على ذلك أبدا، لأنه بعد تغلبه على الطباع الحيوانية يصل إلى درجة من العلم والإيمان لا يدخلها الريب أبدا، فكما أنه لا يعقل أن ضرب سبعة في سبعة ينتج أربعين أو خمسين بدلا من تسعة وأربعين، فكذلك لا يستطيع أن يتصور وجود صنعه محكمة في غاية الدقة توجد بلا صانع.