فهرس الكتاب
فمن السخافة تصور شيء، وصفته بالتعالي، ثم الحكم عليه بأنه مجهول، وما معنى الإغلاق هنا، إنما يتصف بالإغلاق الباب، والمعنى الغامض، ولعله يريد هنا المعنى الأخير، فإن كان الأمر كذلك، ففكره هو المغلق، وتعالى الله وتنزه أن يكون مجهولا أو مغلقا، وقد عرفه أهل السموات وأهل الأرض وشهدوا بربوبيته وكماله المطلق وهيمنته وقيوميته. ولماذا أبهم وهرب إلى الصفة، ولم يقل الإله أو الله كما صرح بذلك فيما بعد بغاية الوقاحة والنذالة. وليس ذلك من شأن الباحثين، لأن الشتم والسفاهة سلاح الدساسين. وأي علاقة للغريزة بالاعتقاد، فإن الاعتقاد خاص بالعقلاء، والغريزة مشتركة بين الناطق والناهق، ولكن من فقد نصيبه من العقل وغلبت عليه الغريزة كالبهائم ينسب كل شيء إليها.
أما قوله: ( وكلما ازداد خوف الغريزة من أمر، الخ ) . تقدم أن الغريزة لا شأن لها بالاعتقاد، وإنما الاعتقاد يكون بالعقل، والمعتقد هو الإنسان. وصحيح أن الإنسان إذا خاف من أمر آمن به وعبده، فعباد الأوثان والأصنام يعتقدون أن لتلك الأوثان والأصنام أرواحا متلبسة بها تضر وتنفع وتقضي حاجات من يخضع لها ويذبح لها ويطوف بها ويهتف بأسمائها إذا حز به أمر، فهم يخافونها ويرجونها، ولكن المؤمنين بالله ليسوا كذلك، فإنهم آمنوا بالله بعدما نظروا في خلق السموات والأرض ورأوا كل شيء من المخلوقات يدل دلالة واضحة قاطعة على خالقه.
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه الواحد
قال تعالى في سورة آل عمران 190-191 (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض) . وسأفصل القول فيما بعد في الأدلة والبراهين القطعية التي تدل على وجود الخالق وربوبيته وعلمه وحكمته وتدبيره لمملكته العظيمة بحول الله وحسن عونه.