فهرس الكتاب
في الاشتغال بمطالب العيش، والاغتمار في غمرة الحياة، ينسى الناس أن يفكروا فيتساءلون: من الغاية من هذا الوجود ؟ وما اشتغال بعيش، وما اغتمار حياة ؟ وقد ينتبه الناس من غفلة، أو يستيقظون من نومة، إذ أصابهم مرض، أو أصابهم عجز، أو نابتهم نائبة. وشر النوائب عندهم الموت، ينزل بقريب أو ينزل بحبيب. ففي هذه الفترات السوداء، البارقة في سوادها، يتوقف الناس يستخبرون، من أين جئنا، وإلى أين المصير ؟ ولكنها فترات لا تطول. فحوافز العيش تعود فتحفز ويشتد حفزها، والحياة تعود تهتف بحاجاتها ويشتد هتافها. والإنسان منا يلبي جبرا لا اختيارا، ويتركز على يومه وينسى أمسه الذي كان، وينسى يومه الذي سوف يكون، إلا من حيث ما يطعم، ويلبس، ويلذ، ومن حيث ينعم أو يشقى بالحياة.
ولكن مع كل هذا، فمن تحت صخب النهار، ومن بين الأصوات الصارخة في معركة العيش، يحس الإنسان منا صوتا خافتا يحاول دائما أن يصل إلى الآذان. وهو يصل إليها عندما يتعب القائم فيحتاج إلى القعود، وعندما يجهد الجاهد فيتصبب عرقا، فيأوي إلى ركن هادئ يجفف عن وجهه عرقه الصبيب. أو هو يصل إليه في هداة من الليل، وهو قاعد في العراء، يرعى أشياء هذه الأرض، ويرعى على الأكثر أشياء هذه السماء.
وهو إذ يرعى هذه السماء، يرعى أشياءها، يرعى نجومها. يزداد هذا الصوت الخافت في آذانه ثم يزداد، حتى يصير صراخا. هذه السماء ما هي ؟ وهذه النجوم ما أعدادها وما أبعادها ؟ وما فتات من النور مبعثر في هذه القبة البلقاء، بعثرة الرمال في الصحراء ؟ وكيف تحور هذه القبة وكيف تدور ؟ وما شروق لها وما غروب ؟ وما نسق وانساق تجري عليها ومواعيد تضربها فلا تختلف أبدا ؟.