فهرس الكتاب
ويأخذ ينعم النظر رافعا بصره، وهو إذ يملأ بالذي يراه عينا، يملأ به فكرا ويملأ به قلبا. وعندئذ يرى تلك الصور وهي تجري في أزمة يجمعها آخر الأمر زمام واحد، ويرد تلك المعاني، وهي مختلفة كاختلاف ألوان الطيف من أحمر وأصفر وأزرق، ثم تجتمع كما يجتمع الطيف، فيكون منه لون أبيض واحد، ويرد كل هذه المعاني، ويرد كل هذه الصور وكل هذه المباني، إلى يد صناع واحدة، تحركها إرادة عاقلة منسقة هادية واحدة.
فتلك يد الله، وتلك إرادة الله.
على هذا جرى الأقدمون واهتدوا إلى كشف حقيقة الله. وما أعسره كشفا كان، عند قوم، لأنه كشف مخلوق تستر وراء مخلوقاته، وما أيسره كشفا كان، عند أقوام، لأنها مخلوقات عجيبة رائعة، ما أسرع ما رقت فنفذ إليها الفكر الإنساني العاقل، فشفت عما وراءها. وكان الفكر أحد أعاجيبها.
ثم جرى الزمان فجاء العلم، أشرق على الناس العلم الحديث منذ ثلاثة قرون. وهو بعد ما بلغ الضحى.
وكشف العلم عن عجيب ما صنع الصانع. كشفه في النبات، وهو صنوف لا عداد لها. وكشفه في الحيوان، وهو أجناس لا حصر لها. وكشفه في الإنسان، أسمى حيوان. وكشف عن أنساق واحدة في كل هذه الصنوف والأجناس جميعا. وكشف عن قوى في كلها تعمل واحدة، على اختلاف في درجات، ولكن على اتحاد في غاية. وهدى، وهدى المنطق، وهدت الفطرة، إلى أن صاحب هذه الأنساق لابد واحد، ومجري هذه القوى لتعمل على هذه الأساليب الواحدة، لابد واحد. ونسق العلم ما بين الأرض، جامدها والحي، وبين هذه الشمس وذاك القمر، وأثبت أن المعدن واحد، والأصل واحد، وأثبت أن الذي صمم عين الإنسان بعدستها ومائها، وما وراء الماء من شبكة تلقي عليها الصور، هو هو لابد الذي صمم هذه الشمس وأخرج منها تلك الأشعة ووجهها إلى الأرض. فهذه العين تكون عبثا لولا هذا الضياء.