افتتح هامن رده بان الطبيعة هي حقيقة، وليست تفسيرا للحقيقة، ثم ضرب لذلك أمثلة واضحة لا لبس فيها ولا غموض. الأول، الفرخ في جوف البيضة عندما يناهز ثلاثة أسابيع يخلق له شبه القرن على منقاره فيثقب به البيضة ويخرج، ثم يزول ذلك القرن. فمن الذي خلقه وصوره من سائل في البيضة إلى عظم ولحم، وأعطاه كل ما يحتاج إليه من ساقين يمشي بهما، وجناحين يطير بهما، وسمع وبصر ومنقار، وجهاز للتنفس، وآخر للهضم، وثالثا للتناسل إلى غير ذلك من بدائع الصنع. ولماذا لم يثبت له ذلك القرن إلا عندما احتاج إليه ليكسر به البيضة، ثم لما ذا زال عنه بعد أن لم تبق له حاجة إليه، فهل هذا كله وقع بدون قصد ولا تخليط على حد لغة الحبشي ولا منهاج ولا تدبير ولا علم، وإنما هو اتفاق ومصادفة، فأين تذهبون، وأنى تؤفكون وتأفكون، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
المثل الثاني، هضم الغذاء، من المعلوم عند جميع الباحثين في نشأة الأرض أنها كانت في أول أمرها غازا، ثم أخذت تتجسم في أزمنة متطاولة. وحين كانت غازا، كانت حرارتها أثنى عشر ألف درجة مئوية كما حققه رئيس المجمع العلمي الفلكي الأمريكي «كريي مورين» في كتابه (الإنسان لا يقوم وحده) المتقدم الذكر، وأخذت تبرد بانقلاب الغازات إلى أمطار، وتكتل مادة الأرض وتجمدها في أحقاب وأحقاب. ولم يكن هنالك مجال لوجود الحياة فيها بأي شكل من الإشكال حتى بردت، ثم دحيت وتميزت جبالها من سهولها وأوديتها في المقدار القليل الذي هو اليابسة، واستقرت البحور في أماكنها بعد الطوفان المتكرر الذي كان يغمر وجهها، وحينئذ تهيأت لوجود الحياة فيها.