سقراط - ولكن أي الكائنات أولى أن تعتبرها من نتائج الاتفاق أو من نتائج الإدراك، التي غايتها ظاهرة أم التي منافعها مشكوك فيها. أريستوديم - من العدل أن أقول، أن الكائنات ذات النفع هي أولى بأن تنسب إلى عمل الإدراك.
سقراط - ألا ترى أن الذي فطر الناس قد أعطاهم ما لديهم من الأعضاء لغايات ومقاصد خاصة، فأعطاهم الأعين للنظر، والآذان للسمع، وماذا كانت تجدينا الروائح إن لم تكن لنا أنوف. وهل كنا نشعر بمرارة المر، وحلاوة الحلو، إن لم تكن لنا ألسنة تميز بين هذه الطعوم؟ ثم ألا ترى من دلائل التبصر والحيطة أن تكون الأعين لرقتها وسهولة تأثرها قد متعت بالأجفان، تقفل، وتفتح بالإرادة، وتنسدل على العينين وقت النعاس وقد حليت أطرافها بأشبه شيء بالغربال من الرمش ليحميها شر الرياح، وأن الحواجب قد وضعت لتمنع تساقط العرق إليها. وإن الآذان خلقت قابلة لتمييز جميع الأصوات بدون أن تمتلي قط. إلى أن قال - كل هذه الاعمال التي تدل على تبصر واحتياط إلى أي شيء تعزوها، إلى الاتفاق أم إلى الإدراك.
أريستوديم - لا وحق جوبتير، إن هذه الاعمال إذا نظر إليها الإنسان تدل على أن قد صنعها صانع يحب الكائنات الحية.
سقراط - وما ذا تقول في الميل المودع في النفوس للتناسل، وفي الحنان المخلوق في قلوب الأمهات للهيمنة على فلذات أكبادهم، وفي الخوف الموجود في تلك الكائنات من العطب؟.
أريستوديم - لاشك أن كل هذا يدل على أنه اختراع كائن قرر خلق الحيوانات.
سقراط - أتعقل أنك وحدك قد تحليت بعقل وإدراك، وأنت كما تعلم لا تقارن بشيء من الوجود، وأن هذه المخلوقات كلها المتمتعة بإدراك مثلك لا تحتاج لعقل يرتب علاقاتها ويقيم أمرها على قاعدة النظام.
أريستوديم - أن أنكر ذلك وحق جوبتير، فإني لا أرى ذلك الصانع كما أرى الصناع من الناس.