فهرس الكتاب

الصفحة 1162 من 1290

ثم قال: أن واجب الوجود لا يتغير، لأن انتقاله عن حالته يكون إلى الشر لا إلى الخير، لأن كل رتبة هي دون رتبته، وكل شيء يناله هو دون نفسه، ثم قال محمد فريد وجدي ما نصه: هذه أصول براهين الأقدمين في إثبات الخالق جل وعز. وقد نحا العرب نحوهم، وحذا فلاسفة القرون الوسطى في أوربا حذو العرب، فلم تزد البراهين على وجود الخالق على ما كانت عليه قبل عيسى عليه السلام بنحو أربعة قرون. فلما ظهرت بواكر العلم في أوربا فتح على العقول ببراهين جديدة، رأينا أن نلم بها على ترتيب حدوثها.

وأول من جاء بشيء جديد فيها العلامة الكبير (ديكارت) الفرنسي (1596-1650م) .

ديكارت هذا حول وجهة الفلسفة وجدد قواعدها، فبعد أن كانت مستقرة على مذهب أرسطو أقعدها على قاعدة العلم الصحيح المجرد عن الظنون والمسلمات، فجعل أساس الفلسفة الشك ودليلها الوضوح والجلاء. وقد جرى في استدلاله على وجود الخالق على سنة لم يجر عليها أحد ممن سبقه، فجرد نفسه من جثمانيته وأخذ يبحث عن الحقيقة في أعماقها لا في الوجود الخارج عنه، ليصل إلى الحق بذاته لا بوسائل خارجة عنه. فلم يسائل الوجود عن صانعه، ولم يناجي العوالم عن عللها، بل اقتصر على نفسه ورغب أن ينكشف لهم ما غمض عليه منها هي وحدها دون سواها. فأعطى على وجود الخالق أدلة ثلاثة، كلها أدلة نفسانية.

أولها - قال إني مع شعوري بنقص ذاتي أحس في الوقت ذاته بوجوب وجود ذات كاملة، وأراني مضطرا للاعتقاد بأن هذا الشعور قد غرسته في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحلية بجميع صفات الكمال، وهي الله.

ثانيها - قال ديكارت: إني لم أخلق ذاتي بنفسي، وإلا فقد كنت أعطيها سائر صفات الكمال التي أدركها. إذن أنا مخلوق بذات أخرى، وتلك الذات يجب أن تكون حائزة جميع صفات الكمال، وإلا اضطرت أن أطبق عليها التعليل الذي طبقته على نفسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت