فيه نظر كما بين من قبل، لأن إذا أردنا أن القرآن، وهو أحد الكتب المقدسة، لم يسلك في البرهنة سبيل المنطق اليوناني الشكلي، فذلك صحيح. وأما إذا قيل أن القرآن لم يتعرض لإقامة البرهان على وجود الخالق أصلا، فليس صحيح، لأن القرآن قد استدل بوجود الأثر البديع على الخالق المبدع في آيات لا تعد ولا تحصى، فبرهان (ديكارت) مثلا على وجود الله تعالى موجود في القرآن. قال تعالى في سورة الذاريات 20-21: (وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون) . قال البيضاوي في تفسير الآيتين: (وفي الأرض آيات للموقنين) أي فيها دلائل من أنواع المعادن والحيوانات، أو وجوه دلالات من الدحو والسكون، وارتفاع بعضها عن الماء واختلاف أجزائها في الكيفيات والخواص والمنافع، تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته وإرادته ووحدته وفرط رحمته. (وفي أنفسكم) أي وفي أنفسكم آيات، إذ ما في العالم شيء إلا وفي الإنسان له نظير يدل دلالته مع ما انفراد به من الهيئات النافعة والمناظر البهية والتركيبات العجيبة والتمكن من الأفعال الغريبة واستنباط الصنائع المختلفة واستجماع الكمالات المتنوعة. (أفلا تبصرون) تنظرون نظر من يعتبر. انتهى
هذا ما انكشف للمفسرين في زمان البيضاوي من البراهين الدالة على وجود الله وربوبيته وتدبيره للعالمين في الأرض وفي الإنسان نفسه. وقد انكشفت بعد ذلك للعلماء المفكرين آيات وتفصيلات هي أعظم دلالة، وأعلى برهنة على وجود الله تعالى. آخرها الذرة وما يدور حولها من الالكترونات. أما ما في الإنسان من الآيات التي انكشفت لديكارت وجعلته يوقن بوجود الله تعالى، فقد انكشف للعلماء بعده أسرار هي أعظم وأوضح مما انكشف له هو، وسأذكر بعضها إن شاء الله في المقالات الأتية ليعلم ريني الحبشي ومن يفرح بنقيقه من الذين استهوتهم الشياطين بوساويسها فأصبحوا حيارى أن ريحه لاقت إعصارا، وأن الحق لا يعدم، -حتى في هذا الزمان- أنصارا.