4-قوله: هي إلى أن تكون شعرية أقرب منها إلى أن تكون فلسفية، ممنوع، لأن البراهين القرآنية التي أشرت إليها سابقا كقوله تعالى في سورة الطور (أم خلقوا من غير شيء) معناه كيف يعقل أن يخلق هذا العالم البديع الصنع المحكم من غير خالق عالم حكيم قدير منزه عن مشابهة الخلق ذلك محال، لأن وجود الصنعة بلا صانع لا يقبله العقل. وهذا بعينه ما تؤول إليه براهين الفلاسفة التي تقدم بعضها وسيأتي إن شاء الله سائرها.
فإن الاستدلال بالمصنوع على الصانع قياس حقيقي يقال فيه: هذا العالم مصنوع، وكل مصنوع لا بد له من صانع، ينتج: هذا العالم لا بد له من صانع. ثم يقال: هذا العالم محكم الصنع كامله، وكل صنعة محكمة كاملة لا بد أن يكون صانعها كاملا، ينتج (خالق هذا العالم متصف بصفات الكمال. ثم يقال: هذا العالم محتاج إلى صانع، وما أحتاج إلى صانع لا يكون صانعا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وذلك يدل على تنزه الله تعالى عن مشابهة المخلوق. والقياس الثالث توكيد وبيان، وإلا فهو من لوازم القياسين السابقين.
أما القياس الشعري فقد قالوا فيه (أنه قياس مؤلف من مقدمات متخيلة) . والبراهين القرآنية الدالة على وجود الله تعالى وخلقه للعالم مقدماتها حقيقية بعيدة عن الخيال بعد الموجود من المعدوم.
5-على أن قائل ذلك قد استدرك فقال عقبه مباشرة: ولكن يمكن أن يقال: أن هذا البرهان هو روح الإيمان الذي أثر على عقول الجماهير، وأسس سلطة الداعين إليه. انتهى. وهذا اعتراف من الفلاسفة أن أقيستهم الجامدة العارية عن البلاغة والبيان لا تنفذ إلى قلوب الجماهير ولا تؤثر فيها، لأنها لا تفهمها. والله سبحانه حين يرسل رسوله وينزل كتابه، لا يرسله إلى الفلاسفة وحدهم، بل يرسله إلى جميع طبقات البشر كما قال تعالى في سورة اقتربت (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر) .