فهرس الكتاب

الصفحة 1195 من 1290

فهذه ثلاثة ألفاظ المباشرة، والمسيس، والملامسة كلها كنايات. وفي اللغة العربية كنايات أخرى لأداء هذا المعنى لا تعد ولا تحصى فما حاجتنا إلى جلب تلك العبارة الأجنبية الركيكة الغامضة التي تمسخ الإنشاء العربي وتخدش وجهه، وتسجل العجز على لغة الضاد، وتصمها بما هي منه براء.

على أن لفظ الجماع الذي يعبر به الفقهاء في كتب الفقه وفي الوثائق هو أيضا كناية.

قال في القاموس: وجماع الشيء جمعه، يقال: جماع الخباء الأخبية، أي جمعها لأن الجماع ما جمع عددا. ثم قال: والمجامعة المباضعة، وجامعه على أمر كذا اجتمع معه. اهـ.

على أن التشدد في أمر الألفاظ ينافي طباع العرب ويسيء إلى أدب اللغة العربية بل وإلى اللغة نفسها، فإن العرب تتساهل في التعبير والتلفظ، وإنما تتورع في الأقوال والأفعال التي تعد محرمة شرعا، ولا ترى العرب أن تتأدب بأدب الكنيسة النصرانية وأتباعها الذين يقول لسان حالهم ومقالهم: افعل كل شيء، ولا تقل شيئا والعكس عند العرب هو الصواب.

فالحريري في مقاماته كان عفيف النفس، ولكنه لم يتحرج من التعبير عن المعاني والأشياء الواقعة التي لا ينفك الناس عنها. ومن يريد أن يقلد الكنيسة واتباعها ويستهجن مخالفتها يلزمه أن يحذف أربعة أخماس المقامات الحريرية، ويحذف قسما كبيرا من الأدب العربي شعره ونثره، وذلك هو الخسران المبين.

وقد كان ابن عباس سائرا محرما في طريقه إلى الحج، فأخذ ينشد بيتا وهو:

وهن يهمسن بنا هميسا

أن تصدق الطير ننك لميسا

فقال له رجل: كيف تقول هذا، وأنت محرم بالحج، وقد قال الله تعالى (فلا رفث وفسوق ولا جدال في الحج) فقال له ابن عباس: إنما الرفث ما كان بحضرة النساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت