فهرس الكتاب
ولقد صدق أبو حيان في تخطئة الزمخشري، فإن الأمس تدل على وقت من الزمان الماضي غير معين، وقال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره الجزء الحادي عشر الصفحة 72 ما نصه: قوله:"أتاها أمرنا ليلا أو نهارا"، يقول جاء الأرض أمرنا يعني قضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات إما ليلا وإما نهارا فجعلناها، يقول فجعلنا ما عليها حصيدا، يعني مقطوعا مقلوعا من أصوله، وإنما هي محصودة صرفت إلى حصيد، كأن لم تغن بالأمس، يقول كأن لم تكن تلك الزروع والنبات على ظهر الأرض ثابتة قائمة على الأرض قبل ذلك بالأمس، وأصله من غنِي (بكسر النون) فلان بمكان كذا يغنَى (بفتح النون) به إذا أقام به كما قال النابغة الذبياني:
غنيت بذلك إذ هم لي جيرة منها بعطف رسالة وتودد
يقول فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم وزخارفها فيفنيها ويهلكها كما أهلك أمرنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حسنها وبهجتها حتى صارت كأن لم تغن بالأمس كأن لم يكن قبل ذلك نبات على ظهرها، انتهى كلام ابن جرير، وعبارة البغوى والخازن موافقة لما نقلنا عن الإمام ابن جرير. ثم تأملت كلام النسفي في تفسيره فوجدته قد اقتدى بالزمخشري فأخذ كلامه بلفظه، وقد رأيت ما رد به أبو حيان عليه. وقال صاحب المصباح في (أمس) : اسم علم على اليوم الذي قبل يومك ويستعمل فيما قبله مجازا، وهو مبني على الكسر، وبنو تميم تعربه إعراب ما لا ينصرف فتقول ذهب أمسُ بما فيه بالرفع . قال الشاعر:
قد رأيت عجبا مذ أمسا عجائزا مثل السعالي خمسا
انتهى كلام المصباح
وقال ابن هشام في القطر ص 20: وأما أمس إذا أردت به اليوم الذي قبل يومك فأهل الحجاز يبنونه على الكسر فيقولون: مضى أمس واعتكفت أمس وما رأيته أمس، بالكسر في الأحوال الثلاثة، قال الشاعر:
منع البقاء تقلب الشمس وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها حمراء صافية وغروبها صفراء كالورس
اليوم أعلم ما يجيء به ومضى بفضل قضائه أمس
انتهى كلام ابن هشام