فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 1290

و أما الثورة، فإنها شر قد يضطر إليه المغلوب على أمره المقهور، فمتى كان الثائرون مظلومين مهضومين، قد اعتدى عليهم غريب يستعبدهم ويستغل أموالهم، متجبرا متكبرا، معتمدا على قوته، وقد شعر هؤلاء المظلومون بالقهر شعورا وحد أفكارهم، وأزال من أنفسهم جميع الأغراض الشخصية حتى صاروا كرجل واحد، واعدوا العدة لثورتهم، ونظروا في العواقب، فإن الثورة تفك أسرهم وتحررهم، وتجعلهم سادة في بلادهم، فيدوم صفوهم، ويستقيم أمرهم وذلك كأهل البلاد السويسرية في ثورتهم على أمراء النمسا الذين كانوا مستولين عليهم، وكسكان الولايات المتحدة في ثورتهم على الدولة البريطانية، فكلتا الثورتين تحقق نجاحها واطرد، وسار أهلها إلى الأمام متحدين متقدمين، فيئس منهم عدوهم فعاد يخطب ودهم.

و كثورة سكان اتحاد جنوب إفريقيا البيض على الدولة البريطانية، وبعض هؤلاء هولنديون، وبعضهم من البلاد البريطانية في الأصل. فلما عجزت الدولة البريطانية عن إخماد ثورتهم صالحتهم وتوددت إليهم فاتحدوا معها عشرات السنين.

الأبيض والأسود

و في هذا الزمان الذي طغت فيه موجة الاستقلال والتحرر من الرق الأجنبي، طالب سكان اتحاد جنوب إفريقيا السود والسمر بنصيبهم من الحرية، وامتنع الحكام البيض من إعطائهم أي نصيب من هذا الحق، فتحرج مركز الدولة البريطانية التي تخلت عن كثير من مستعمراتها بدون حرب، بعدما دافعت عن سياسة اتحاد جنوب إفريقيا، والتمست له الأعذار، واضطرت إلى أن تستنكر إصرار الاتحاد على سياسته الخرقاء الممقوتة في نظر أكثر الأمم.

فلم ترض دولة الاتحاد بهذا الخذلان، فانفصلت عن الدولة البريطانية، فقابلت بريطانيا انفصالها بتسامح وصدر رحيب. ولم تقطع علاقاتها، لا الدبلوماسية ولا التجارية معها، فضلا عن أن تكيد لها وتعلن عليها حربا كلامية، أو تدس لها الدسائس، وتنشئ فيها فرقة خامسة لتحطمها عقابا على انفصالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت