وهناك شاهد ثالث من نوع آخر على أن الإسلام قوة عظيمة معنوية ومادية لمن تمسك به بإخلاص: وهو أن جميع دول أوربا بملوكها وجيوشها غزت البلاد المقدسة فلسطين وأوقدت فيها نار حرب بينها وبين المجاهدين من المسلمين دامت مائتي سنة وختمت بهزيمة تامة لدول أوربا. ومن قابل ذلك بحال فلسطين في هذا الزمان لا يجد مندوحة من الاعتراف بأن الإسلام الصحيح قوة لا تقهر، وأن كل شعب سعد أسلافه وارتفعوا بالإسلام لن يسعد ولن يرتفع إلا بما ارتفع به أسلافه. ومن ظن خلاف هذا فهو مخدوع يخبط خبط عشواء في ليلة حالكة ظلماء ومضمون له الخيبة والخسران. وإنما قيدت الدين بكونه صحيحا في أول المقال احترازا من الدين المبدل الذي لا يقوم على القرآن بدون تنطع بل كما فهمته العرب في القرن الأول وسيرة الرسول والخلفاء الأربعة. وأما الدين المبدل في العقائد والأخلاق والأحكام فلن يأتي بتلك الثمرة أبدا. بل قد يبلغ به التبديل والتغير إلى أن يصير شرا وضرا محضا ويأتي بعكس المطلوب. وبذلك يفسر نجاح الاستعمار وفشل الحركات الدينية التي تصدت لمقاومته. وإنما الدين الإسلامي دواء وصفه طبيب نطاسي بارع في معرفة العلل النفسية للأمم والشعوب. فمن خالف وصفة الطبيب في التركيب أو الاستعمال فمن تلك المخالفة أتي لا من الدواء، فهو صالح كما قدمنا شواهده لكل زمان ومكان إلى أن ينتهي أجل هذا النظام الشمسي الذي نعيش فيه. وفي كلام برنارد شو الانكليزي وديني الفرنسي وكارلايل وتولستوي وغيرهم من فلاسفة الغرب الأوروبي وحكمائه اعتراف صريح بما ذكرته. وبعد هذا التمهيد والبحث المفيد نخرج بالنتيجة التالية وهي.. أن الركن الأول من ثقافة العرب الذين نحن جزء منهم وثقافة المسلمين الذين يؤلفون الأمة التي ننتمي إليها هو تعليم الدين تعليما عمليا عقديا أخلاقيا جديا من روضة الأطفال إلى آخر سنة في الجامعة.