وروي أن بلالا كان الذي عيره أبو ذر بأمه، أي بسوادها، فانطلق بلال إلى النبي عليه السلام فشكى إليه تعييره بذلك، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعوه فلما جاء أبو ذر قال له رسول الله صلى الله عليه السلام:"شتمت بلالا وعيرته بأمه؟"قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من كبر الجاهلية شيء"، فألقى أبو ذر نفسه إلى الأرض، ثم وضع خده على التراب وقال: والله لا أرفع خدي منها حتى يطأ بلال خدي بقدميه، فوطء خده بقدميه.
قال الكرماني في معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر:"إنك امرؤ فيك جاهلية". قال ابن بطال: يريد أنك في تعييره بأمه على خلق من أخلاق الجاهلية، لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب، فجهلت وعصيت الله تعالى في ذلك، ولم يستحق بهذا الفعل أن يكون كأهل الجاهلية في كفرهم بالله تعالى.
وروى أحمد بسنده عن أبي ذر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: انظر، فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود، إلا أن تفضله بتقوى الله. المراد بالأحمر، العجم لشدة بياضهم المشوب بالحمرة. والمراد بالأسود العرب، لسمرة ألوانهم في الغالب. والمعنى أن اللون لا عبرة به في الإسلام كيفما كان، وإنما العبرة بالعلم والعمل الصالح، فبهما يسود من يسود ويرتفع من يرتفع، وبفقدهما تفقد السيادة والعزة والكرامة.
وروى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:"إن الله أوحى إلي: أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد". في هذا الحديث أن الله تبارك وتعالى أمر رسوله أن يأمر الناس جميعا أن لا يفخر أحد منهم على أحد، لا بنسب ولا بعلم، ولا بمنصب، ولا بمال، ولا يظلم أحد منهم أحدا، ومن فعل ذلك فقد عصى الله ورسوله وتعدى حدوده، فحقيق أن يعذبه الله عذابا شديدا في الدنيا والآخرة.