ومن المعلوم أن بلاد العرب كلها، وبلاد الإسلام في إفريقيا وآسيا كانت خاضعة لسلاطين آل عثمان إلا المملكة المغربية، فإنها لم تخضع قط لهم، بل كانت تسالمهم إذا سالموها؛ وتحاربهم إذا حاربوها، وكانوا معترفين باستقلال ملوكها. فالملك العلوي سليمان بن محمد لم يبال بعداوة السلطان العثماني لآل سعود، لأنه عزيز مستقل لا يخضع إلا الله، ولم يكن رحمه الله من قلة العلم بالمكان الذي يستطيع جيش العلماء المرتزقة الذين عبأتهم السلطنة العثمانية لتكفير آل سعود وتضليلهم، حسبما سول لها حبها للاستيلاء على بلاد العرب، أقول: لم يكن هذا الملك الجليل من قلة العلم بالمكان الذي يستطيع فيه أولئك العلماء المرتشون أن يضموه إلى صفوفهم، وأن يلبسوا عليه الحق بالباطل، ويوهموه أن عقيدة آل سعود ضالة ومخالفة للكتاب والسنة، كما لبسوا على غيره من الأمراء والقادة فأعلن مولاي سليمان موافقته لما يدعو إليه عبد الله بن مسعود، لأنه وجده مطابقا للكتاب والسنة، ولم يكتف بأن يجيب رسالة برسالة، بل أوفد ابنه أبا إسحاق المولى إبراهيم، ومعه وفد من علماء المغرب إلى الأمير عبد الله بن سعود، وبعث معه هدايا وتحفا فأكرم الأمير السعودي وقادتهم، وتباحث العلماء المغاربة برئاسة أميرهم مع العلماء السعوديين برئاسة أميرهم، فكللت المباحثات بالوفاق التام على اتباع كتاب الله وسنة رسوله، وترك الغلو في قبور الصالحين وغيرهم، وتجريد توحيد العبادة لله رب العالمين.
وعلى أثر ذلك ألف السلطان مولاي سليمان رسالته المشهورة المتضمنة لاتباع الكتاب والسنة، ومحاربة البدع والمحدثات، ومنها الغلو في قبور الصالحين الذين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله، وأمر أن تقرأ على المنابر في جميع أنحاء المملكة المغربية، فتركها منقبة خالدة على مرور الأيام، فرحمه الله وأثابه رضاه.