فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 1290

ومن أراد أن يعرف قيمة هذه الشهادة فليطالع كتاب المحلى لابن حزم ليرى شدته وصرامته، وغلظته على مخالفيه كائنين من كانوا، لا يهاب أحدا. ومن المعلوم أن ابن حزم يخالف ابن عبد البر في المذهب أصولا وفروعا ولكن عبقريته ألانت قناة ابن حزم التي لم تلن قط لغامر، فهي كقناة عمرو بن كلثوم وقبيلته التي يقول فيها مخاطبا الملك عمرو بن هند:

فإن قناتنا يا عمرو أعيت

على الأعداء قبلك أن تلينا

إذا عض الثقاف بها اشمأزت

وولته عشو زنة زبونا

عشو وزنة إذا انقلبت أرنت

تشج قفا المثقف والجبينا

وقد ألف هذا الكتاب العظيم منذ ما يربو عن تسعمائة سنة. ولاشك أن نشره ودراسته التي لا تتأتى إلا به لم يزل أمنية كل عالم، وكل ملك وأمير، وكل غني ورئيس، ومن جملة الملوك الذين كانوا يتمنون نشره السلطان العالم الجليل مولاي عبد العزيز بن الحسن، كما أخبرني بذلك مرارا، وأخبرني أن والده السلطان المكرم مولاي الحسن بن محمد أعطاه نسخة مخطوطة من التمهيد قال:"وهي باقية ضمن كتبي بفاس"، وسبب إخباره بذلك لأول مرة أني قلت له: أني سمعت أن الإمام عبد الله السنوسي كانت عنده نسخة كاملة من التمهيد، فقال لي:"لا أدري"، ثم ذكر لي الخبر المتقدم، ومنه نعلم عناية السلطان مولاي الحسن بن محمد بهذا الكتاب أيضا، فلم يتح لواحد منهم أن ينشره، ولا بتكثير المخطوطات، ولا بالطبع حتى كاد ينقرض، ولكنها مكرمة ومفخرة ادخرها الله تعالى لجلالة الملك الحسن الثاني، وهي يد بيضاء على كل طالب علم وعالم، لا من المسلمين فقط، بل من جميع البشر، فلا توجد خزانة في الدنيا، لا في أمريكا ولا في أوربا، ولا في آسيا تستغني من نسخة فأكثر، ولا أقصد خزائن الأفراد، بل جميع الخزائن العامة التابعة للجامعات وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت