فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 1290

قال الشاطبي في الرد عليها: (( و الجواب أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي ، بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع و لا من قواعده إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ، و لكان العمل داخلًا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها ، فالجمع بين تلك الأشياء المبتدعة و بين الأدلة التي تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين .

أما المكروه منها و المحرم فمسلم من جهة كونها بدعة لا من جهة أخرى ، إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لإمكان أن يكون معصية كالقتل و السرقة و شرب الخمر و نحوها فلا بدعة يتصور فيها التقسيم البتة ، إلا الكراهية و التحريم حسبما ذكر في بابه ، فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع فصحيح . و ما قسمه فيها غير صحيح ، و من العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ، و مع معرفته بما يلزمه في خرق الإجماع ، و كأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخه من غير تأمل ، فإن ابن عبد السلام ظاهر منه أنه سمى المصالح المرسلة بدعًا ، لأنها لم تدخل بأعيانها تحت النصوص المعينة ، و لكنها تلائم قواعد الشرع . فمن هنالك جعل القواعد هي الدالة على استحسانها مع تسميته لها بلفظ البدع ؛ و استحسانها من حيث دخولها تحت القواعد ، و لما بني على اعتماد تلك القواعد استوت عنده مع الأعمال الداخلة تحت النصوص المعينة ، و صار من القائلين بالمصالح المرسلة و سماها بدعًا في اللفظ كما سمى عمر الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة ، و كما سيأتي إن شاء الله .

أما القرافي فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه و على غير مراد العلماء لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم فصار مخالفًا للإجماع )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت