فهرس الكتاب

الصفحة 490 من 1290

فتأملوا ! ففي هذا الحديث ما يدل على أنها سنة ، فإن قيامه أولًا بهم دليل على صحة القيام في المسجد في رمضان ، و امتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقًا ، لأن زمانه كان زمان تشريع و وحي ، فيمكن أن يوحى إليه إذا عمل به الناس الإلزام ، فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع الأمر إلى أصله و قد ثبت الجواز فلا ناسخ له ، و إنما لم يقم بذلك أبو بكر لأحد أمرين ، إما لأنه رأى قيام الناس آخر الليل و ما هم به عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل ، ذكره الطرطوشي ، و إما لضيق زمانه عن النظر في هذه الفروع ، مع شغله بأهل الردة و غير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح .

فلما تمهد الإسلام في زمان عمر و رأى الناس في المسجد أوزاعًا كما جاء في الخبر قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل ، فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل ، و لقد اتفق السلف على صحة ذلك و إقراره ، و الأمة لا تجمع على ضلالة ، و قد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي .

فإن قيل: فقد سماها عمر بدعة و حسنها بقوله: (( نعمت البدعة هذه ) )و إذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع .

فالجواب: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و اتفق أنها لم تقع في زمن أبي بكر ، لا لأنها بدعة حقيقية فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي ، و عند ذلك لا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم عنه ، لأنه نوع من تحريف الكلام عن مواضعه ، فقد قالت عائشة: (( إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل و هو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ) ))) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت