فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 1290

أما الشاطبي فجعل هذا من المصالح المرسلة التي فهمها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نصوص القرآن و السنة ، و لو فرضنا أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برئاسة أبي بكر الصديق أحدثوا في الدين أمرًا - و حاشاهم من ذلك - فهل يستطيع المبتدع أن يبعثهم من مراقدهم و يأمرهم أن يجمعوا على بدعته حتى يتم له الاحتجاج ؟ أم يريد أن يقيس برأيه الفاسد بدعه الخبيثة على ما فعله أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فيقال له: بفيك الحصى و الجنادل (1) . إن القياس لا يكون إلا على أمر ثبت بنص من نصوص الكتاب و السنة ، و نصوصها كلها تغبر في وجهك ، و لا يقيس إلا مجتهد و أنت مقلد أعمى ، بل بهيمة تقاد ، كما تقدم من كلام أبي عمر بن عبد البر .

أما تمثيلهم للقسم الثاني ، و هو المحرم بأخذ المكوس فهو عجيب ، لأن البدعة هي أن يتقرب المبتدع إلى الله بزعمه بأمر محدث حقيقة أو شكلًا ، و لم يوجد أحد في الإسلام ، و إن كان أجهل الجاهلين و أظلم الظالمين ، يدعي أن الغصب و أخذ المكوس قربة إلى الله ، كيف و هو محرم بالنصوص القاطعة و هو من أكبر الكبائر بالإجماع ، فهذا يكون الإفلاس .

أما تمثيلهم للثالث بصلاة التراويح ، فقد أثبت الشاطبي أنها سنة فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم تركها خوف أن تفرض ، فلما توفي و تم التشريع جمع عمر الناس على قارئ واحد ، و تسمية ذلك بدعة هي تسمية لغوية و يقال فيه ما تقدم من نفي القياس و يزاد عليه أن القياس لا يكون في العبادات أصلًا كما حققه الإمام الشاطبي ، و برهان ذلك حديث عائشة في الصحيحين مرفوعًا: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) )فدخل في ذلك البدع الحقيقية ، كالتقرب إلى الله بالرقص ، و قرع الطبول و نحو ذلك ، و البدع الإضافية كالاجتماع على الذكر بلسان واحد ، و قراءة القرآن كذلك ، و ما أشبه ذلك و هو كثير .

(1) كناية عن منتهى الفجور و القصور .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت