فهرس الكتاب

الصفحة 568 من 1290

غيظا، ولم يجبني إلا أحدهم بيني وبينه مصاهرة فقال لي في جوابه: لقد قرأت ما كتبت والقلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء ولئن كتبت إلى بعد هذا ولو حرفا من الطعن في الطريقة التجانية لن أجيبك أبدا، وتحمل أنت وحدك إثم قطع الرحم.

ولما نفد ما عندي من الدراهم جاءني الشيخ محمد الخرشي الشنقيطي- رحمه الله سواء أكان حيا أو ميتا- فأعطاني ريالين مصريين وكان من المتخرجين في الجامع الأزهر وله راتب من أوقاف الطلبة المغاربة قدره جنيهان (مشاهرة) وعشرة أرغفة يوميا وهو من الستينيين. وكان الطلبة المغاربة في ذلك الزمان ثلاثة أقسام: ستينيين، وعشرينيين ومنتظرين، فالستينيون عددهم ستون رجلا يأخذون راتبا قدره جنيهان مشاهرة وعشرة أرغفة يوميا، والعشرينيون عددهم عشرون رجلا يأخذون راتبا قدره نصف جنيه مشاهرة وخمسة أرغفة يوميا، والمنتظرون يعدون بالمئات لا يأخذون إلا رغيفين في كل يوم. وكانت الحرب قائمة على الدوام بين الستينيين والمنتظرين، والعشرينيون على الحياد. وذات يوم هجم ثلاثة من المنتظرين على شيخ رواق المغاربة- بعد السلام من صلاة الجمعة- في الأزهر فطعنوه بالخناجر حتى مات، فهرب الناس من المسجد لا يلوون على شيء وركب بعضهم بعضا حتى مات بعض الضعفاء من الزحام (وأظن أن الأخ القارئ يعرف طبعي في الاستطراد، فأنا لا أحول عنه ولا أزول، كما قال المتنبي:

(لكل امرئ من دهره ما تعودا)

فقال لي الشيخ محمد الخرشي: لا تقعد هنا مقيما على معيشة ضنك كالوتد ألمم تسمع قول الشاعر:

ولا يقيم على خسف يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد

هذا على الخسف مربوط برمته ... وذاك يشجو فلا يرثى له أحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت