وفي الباب أحاديث أخرى, وقال القاري: خص مبلغ الحديث كما سمعه بهذا الدعاء, لأنه سعى في نضارة العلم, وتجديد السنة, فجازاه بالدعاء بما يناسب حاله, وهذا يدل على شرف الحديث وفضله ودرجة طلابه, حيث خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بدعاء لم يشرك فيه أحدًا من الأمة, ولو لم يكن في طلب الحديث وحفظه وتبليغه فائدة سوى أن يستفيد بركة هذه الدعوة المباركة لكفى ذلك فائدة وغنمًا, وجعل في الدارين حظًا وقسمًا . ا هـ .
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: قال علماء الحديث: ما من رجل يطلب الحديث إلا كان على وجهه نضرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها, فأداها كما سمعها ) ... الحديث .
قال: وهذا دعاء منه عليه السلام لمحلة علمه, ولا بد بفضل الله تعالى من نيل بركته . ا هـ .
وإلى هذه النضرة أشار أبو العباس العزفي بقوله:
أهل الحديث عصابة الحق فازوا بدعوة سيد الخلق
فوجوههم زهر منضرة لألاؤها كتالق البرق
يا ليتني معهم فيدركني ما أدركوه بها من السبق
الحديث الثالث: روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أرحم خلفائي, قلنا يا رسول الله ومن خلفائك ؟ قال: الذين يروون أحاديثي, ويعلمونها الناس ) .
قال القسطلاني في أرشاد الساري بعد ذكر هذا الحديث: ولا ريب, أن أداء السنن إلى المسلمين نصيحة لهم من وظائف الأنبياء, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, فمن قام بذلك كان خليفة لمن يبلغ عنه, وكما لا يليق بالأنبياء عليهم السلام أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم, كذلك لا يحسن لطالب الحديث وناقل السنن أن يمنحها صديقه, ويمنعها عدوه, فعلى العالم بالسنة أن يجعل أكبر همه نشر الحديث فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه حيث قال: بلغوا عني ولو آية . الحديث رواه البخاري .