فهرس الكتاب
استمررت في إلقاء الدروس كل مساء في مندرة الشيخ إسماعيل الصيفي، ونسيت أن أقول إن الشيخ عبد الظاهر الريرموني رحمه الله بلغ في المعارضة والمعاكسة إلى أن خالفني في أمر لم يزل يقرره ويدعو إليه، وهو منع شد الرحال إلى زيارة قبور الصالحين، فقال له إخوانه: يا لله العجب.. أنت نفسك لم تزل تقرر المنع فقال: تغير رأي وهل أنا معصوم! ومن طباع المصريين المحمودة- وما أكثرها - أن المرءوس إذا ظهر له الحق لا يفكر في مذهب الرئيس واعتقاده بل يتلقى الحق بالقبول وإن خالف رئيسه، ولذلك كان الناس في أثناء الوعظ يتوبون إلى الله ويعلنون توبتهم من الشرك والبدعة ففي كل ليلة يتوب اثنان أو ثلاثة.
وفي الليلة السادسة أو السابعة قام شيخ البلد فأعلن توبته وقال: أيها الشيخ المغربي: إنك لم تأتنا بشيء جديد فكل هذه المسائل التي دعوتنا إليها سبقك إليها الشيخ علي التونسي والشيخ عبد الظاهر الريرموني وفلان وفلان ولكن الفرق بين دعوتك ودعوتهم أننا إذا جادلناك تصبر على جدالنا وتجيبنا بلطف ولين حتى نقتنع وننتقل إلى مسألة أخرى ثم أخرى إلى أن يزول ما عندنا من الإشكال. وأما الدعاة الذين تصدوا للدعوة قبلك فقد كان لهم أسلوب آخر متى جادلناهم وعرضنا عليهم شبهاتنا قالوا لنا: كفرتم! فنقول لهم: وأنتم أكفر ونفترق على أقبح ما يكون، ثم التفت إلى الشيخ إسماعيل الصيفي صاحب البيت وقال له: يا شيخ إسماعيل جزاك الله خيرا على دعوة هذا الأستاذ المغربي الذي هدانا الله إلى الحق بسببه، ولك الفضل والحق أن تكون الدروس في مندرتك، وأن يكون الأستاذ المغربي ضيفك ولكني أطلب من فضلك أن تسمح لي بأن يكون الأستاذ أسبوعا عندك وأسبوعا عندي. هذا في الدروس الخاصة التي تلقى في المنادر وأنا أطلب من الأستاذ المغربي أن يلقي لنا درسا في المسجد الجامع يوميا وأن يصلي بنا الجمعة مادام مقيما عندنا فقال الشيخ إسماعيل: إني أقبل هذا الاقتراح بكل سرور.