فهرس الكتاب
وكان الشيخ عبد الوهاب الدهلوي قد كتب لي كتاب توصية إلى عمه الحاج عبد الغفار في دلهي؛ فضيفني وأكرمني ولقيت النواب صدر الدين المدبر لشئون مدرسة (علي جان) ومسجده وكان عالمًا بالعربية في ذلك الزمان في بلاد الهند في غاية القلة، فرحب بي واستحسن مقصدي وقال لي: إن تجولك في بلاد الهند للقاء العلماء والإطلاع على الكتب يحتاج إلى أمرين: أحدهما الدراهم، والثاني اللغة، وبدون هذين تتعب كثيرًا ولا تحصل على طائل، فأنا أقترح عليك أن تمكث عندنا هنا سنة تتعلم فيه شيئًا من اللغة الهندية وتحصل على شيء من المال، وفي أثنائها يستفيد من علمك تلامذة مدرستنا فإن الطلبة عندنا يدرسون كتب التفسير والحديث والأدب العربي نظمًا ونثرًا بالترجمة الهندية بلغة أردو من البداية إلى النهاية ويتخرجون في المدرسة (ولا تقل من المدرسة) ولم يقرع آذانهم كلام باللغة العربية فيعيشون بكمًا صمًا يعتمدون على ترجمة الكتب لا على الكتب نفسها.
فقبلت هذا الاقتراح وأقمت في مدرسة (علي جان) فأمر النواب صدر الدين المتقدمين في العلم من الطلبة أن يحضروا دروسي فحضر عندي خمسة عشر طالبًا لا يزال أحدهم بقيد الحياة معروف مكانه، وهو الشيخ عبد الودود بن عبد التواب الملتاني وقد حج في السنة الماضية عام 1390هـ ولقيته هنا بالمدينة.
*حادثة عجيبة*
قلت لأولئك الطلبة: ماذا تريدون أن أدرسكم من كتب الأدب؟ فقالوا: نريد أن تدرسنا ديوان المتنبي؛ فبدأت أدرسهم ووجدت صعوبة في إفهامهم لأنهم كما قال النواب صدر الدين: لم يقرع آذانهم كلام عربي قط، وبعد أربعة أيام وصلنا إلى بيت من قصيدة للمتنبي يمدح بها سيف الدولة وكانت النسخة التي نقرأ فيها مطبوعة في دهلي وفيها أخطاء فوجدنا فيها البيت هكذا:
أنا له الشرف الأعلى تقدمه ... فما الذي بتوقى ما أتى نال