فهرس الكتاب

الصفحة 742 من 1290

نور الحديث مبين فادن واقتبس ... واحد الركاب له نحو الرضى الندس (1)

إلا إنه لم يسمني بل قال: وقال بعض الأعلام مخمسًا هذه القصيدة ولقيت منه من الإكرام ما أعجز عن وصفه بل أسأل الله أن يكافئه على ذلك في جنات عدن مع الذين أنعم الله عليهم مع أني أدعو له في كل صلاة.

ورأيت من زهده في الدنيا وتواضعه وحسن خلقه ما يفوق الوصف فقد كان يقضي أوقاته كلها في خدمة العلم تدريسًا وتأليفا وإفتاء، ودعاه الدهلويون حين عزموا على تأسيس دار الحديث في مكة شرفها الله إلى أن يكون رئيسًا فيها فأبى، ودعاه غيرهم من أصحاب المدارس فأبى، وكان لا يعيش إلا مما يكتسبه من العلاج لأنه كان طبيبًا حاذقًا، وكان لا يشتغل بالطب إلا من بعد صلاة العصر إلى المغرب.

وذكر مناقبه يفضي بي إلى التطويل الذي يجعل طبع الكتاب صعبًا، ولكن لابد أن أذكر مكرمة له لا أستطيع تركها وذلك أنه حتم علي في تلك المدة أن لا آكل إلا عنده، ولما عزمت على السفر قال لي: لا تسافر في السكة الحديدية إلى مدينة أعظم كرفان ذلك يشق عليك فهنا اثنان من أصحابنا يسافران على عربة تجرها الخيل في وسط الليل، فأردت أن أودعه فقال لي: لابد أن أخرج لوداعك وأصر على ذلك فقام في نصف الليل وذهب معي إلى المكان الذي فيه العربة، فوضع في كفي قرطاسًا وضم يدي عليه وقال لي: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زودك الله التقوى ويسر لك الخير حينما توجهت، وظننت أن القرطاس ورقة مالية فوضعتها في يده وضممتها وقلت له: لست في حاجة فأخذ بيدي إلى أن بعدنا عن الرجلين وبكى بكاءً شديدًا وهو يقول: اقبل مني اقبل مني، فاقشعر جلدي وندمت على ما فعلت وقبلت تلك الورقة وتأثرت بما رأيته من بكائه حتى أني حين طلع الفجر صليت الصبح إمامًا بالرفيقين فبكيت كثيرًا في أثناء القراءة فالله يرحمه رحمة واسعة.

وهذه القصيدة التائية في صفة رحلتي من المغرب إلى الهند:

(1) الندس: الفطنة والكياسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت