فهرس الكتاب
وخبرني الأستاذ المصري بأمر هو أخبث من ذلك، فقال: قال لي ذلك العراقي: هل تريد أن تسافر إلى مصر بطريق العراق؟ قال: فقلت: نعم، قال: فقال لي إذا وصلت إلى بغداد فزرني، فإن لي أختًا جميلة أقدمها لك لترافقك، (قال مؤلف هذا الكتاب: ووجود هذا الرجل في العراق لا يضير العراقيين ولا ينقص من قدرهم فهم أهل الشجاعة والكرم والإباء وشرف النفس ولا يوجد في الدنيا شعب كلهم خيار، فهذا من شذاذ وقد سجنه العراقيون سنين ونبذوه فهام على وجهه) ، أما العالم الشامي فإنه لم يفعل شيئا من مثل ذلك إلا أنه جاءهم بقصد الاستجداء وقبل ما قدموه له من المال ولم يتعفف عنه ولذلك صمصت ألا أقبل منهم شيئا.
*المرض بالحمى النافض*
كانت مدينة كابل في ذلك الزمان وهو سنة 1352هـ غير نظيفة ولا مبلطة الشوارع، وكانت المياه القذرة تجري في وسط المدينة في قنوات مكشوفة وتنبعث منها رائحة كريهة، فبعد إقامتي فيها نحو شهر أصابتني الحمى النافض التي تسمى في هذا الزمان ملاريا، وكنت في دار إلهي بخش ولا أستطيع أن أتفاهم مع خدامه وأخذني إلى طبيب متخرج في لندن فأعطاني دواء فلم ينفعني، وكان يتردد علي لطلب علم الأدب العربي الشيخ محمد عمر الأفغاني، وكان قد درس في بلاد الشام وتزوج بامرأة شامية وله منها ولد عمره اثنتا عشرة سنة، وكان قد اقترح علي أن أنتقل إلى منزله ليخدمني هو وأهله فأبى إلهي بخش، فلما مرضت وعجزت حتى عن تناول الماء للشرب استأذنت أبا مثواي في الانتقال إلى بيت محمد عمر فأذن لي، فأقمت في بيته مدة تقارب عشرين يوما وكان إلهي بخش لا ينقطع عن زيارتي، ومما قاله لي ذات يوم: نحن ما رأينا من العرب أحدا عفيف النفس يحافظ على شرفه مثلك، فقلت له: إن في العرب من أهل الفضل والشرف والعفاف الجم الغفير، ولو أنك ذهبت إلى بلادهم لرأيت إباءهم وكرمهم وعلو همتهم، ولا يأتيكم هنا منهم إلا قليل جدا من ذوي الحاجات.