فهرس الكتاب

الصفحة 824 من 1290

خرجت مسافرا من كابل يرافقني الصديق المخلص محمد عمر في اليوم الذى لا تأتيني فيه الحمي على أنها بعد ذلك العلاج الغريب صارت لا تأتيني إلا خفيفة جدا. ركبنا في سيارة البريد وسارت بنا ساعة واحدة، فأحسست بالجوع ولم أحس به منذ أصابتني الحمى إلا في تلك الساعة فقلت: يا محمد عمر أنا جائع، فقال: هذه علامة خير أنا ما جئت بطعام لعلمي أنك لا تأكل وما عندي إلا شيء من الخبز والمشمش، والمشمش في كابل مطعم بالخوخ كبير الحجم لذيذ الطعم، (والتطعيم هو أن يؤخذ غصن من شجرة فيحفر له في ساق شجرة أخرى غار ويدخل بعض الغصن في ذلك الغار ثم يسد فتتغير ثمرة الشجرة وتصير ممتزجة مع ثمرة الشجرة التي أخذ منها الغصن فيتألف منهما حجم جديد وطعم جديد) . فأخرج لي ما عنده من الخبز والمشمش فأكلته ولم أشبع ومررت على مطعم فيه قدور كبيرة مملوءة باللحم والمرق وخبز أفغاني كبير يكاد الرغيف منه يكون كخمرة المصلي أي الحصير الذي يصلي عليه، فقلت لصاحب السيارة: قف فإني جائع جدا فقال لي: أمامك مطاعم أفضل من هذا. ثم تعطلت السيارة فلم نصل إلى أول مطعم إلا بعد مضي هزيع الليل، وكنت خائفا أن لا أجد طعاما ولكني وجدته فأكلت شيئا كثيرا من اللحم والمرق والبطيخ ولم أجد خبزا ولم يضرني شيء من ذلك ولا أصابتني الحمى بعد ذلك، فتعجبت من تأثير ذلك العلاج العجيب ولم أستطع تعليله إلى الآن وخطر ببالي أنه ربما يكون حر الجمر والدخان الذي كنت أتبخر به سببا في زوال الحمى، وقد خبرني بعض الأطباء الأوروبيين الذين هم معجبون بطب العرب أن العرب كانوا يداوون الشيء بجنسه لا بضده، كما يفعل اليونانيون فيداوون الحرارة بحرارة من نوع آخر والبرودة برودة من نوع آخر وهكذا، فإن صح ما قاله هذا الطبيب فلعل حرارة النار أذهبت حرارة الحمى بإذن الله والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت