ثم انتقلت إلى مكناس بإشارة من أستاذي لأنها أقرب إلى الرباط فبينهما مائة وأربعون ميلًا ينقص ستين ميلًا هذا بعد ما جربت هواءها ووجدته مناسبا، وشرعت ألقي دروس الوعظ في الجامع الكبير فأقبل الناس كذلك على درسي في مكناس إقبالًا عظيما، ولكن الجامدين من الفقهاء وأصحاب الطرائق شرقوا بتلك الدروس وكذلك المتأكلون بالنسب ورأوا أنها أخذت تهدم ما بنوه من قصور الخرافات على الرمال، وتظهر للعامة جهلهم وانحرافهم عن الجادة فأجمعوا على أن يكيدوا لي كيدا يقضي علي، وكان الذي تولى كبر ذلك رجلًا له نفوذ ودالة على أمير مكناس ونواحيها وكان هذا الأمير من أبناء عمومة الملك محمد الخامس رحمة الله عليه وبينهما مصاهرة، فكان يفعل في إمارته ما يشاء ولعلو مكانته عند الملك لا يستطيع وزير ولا رئيس أن يعارضه، فكتب ذلك الشخص ومع أولئك الأعداء كتابًا إلى وزارة الأوقاف يطلبون منعي من التدريس لأمور: منها: أنني بزعمهم أنكر كرامات الأولياء وأنقض المذهب المالكي وعدوا أمورا سمعوها في درسي من إنكار الشرك والبدع، ووقع على هذا الكتاب خمسمائة شخص.
وكان وزير الأوقاف في ذلك الوقت كما هو الآن معالي الأستاذ الحاج أحمد بركاش ومدير شؤون الوعظ والإرشاد هو العالم السلفي صاحب الفضيلة السيد محمد الطنجي وهما يعلمان أن الساعي في ذلك له نفوذ عظيم عند الأمير لا يرد له طلبا ومع ذلك وفقهما الله سبحانه إلى جواب حاسم كان شجا في حلوق المبتدعين ومضمونه: إنكم طلبتم عزل محمد تقي الدين الهلالي من دروس الوعظ ونقمتم عليه مسائل نسبتموها له فنحن نأمركم أن تكتبوا أدلتكم على صحة ما ذهبتم إليه في تلك المسائل ونأمره أن يكتب أدلته على صحة ما ذهب إليه فيها ثم تؤلف لجنة برئاسة الأستاذ عبد الله كنون وتنظر في تلك المسائل وتحكم بالحق، فسقط في أيديهم ولم يكتبوا شيئا.